مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ابنة القيروان الكاتبة رحمة البحيري في رحاب مجلة إيفرست الأدبية

 

 

 

حوار :- بيشوي صبحي النجار.

 

 

في البداية نودّ أن نتعرّف أكثر على كاتبتنا العظيمة:-

 

إنسانة بسيطة جدًا؛ ابنة القيروان، وأعتزّ جدا بكوني وُلدتُ وترعرعتُ فيها، ساهمتْ بطبعها الحضاري ومخزونها الثّقافي العريق في تكوين شخصيّتي اليوم.

 

أمّي للاّ روضة البحيري، هي منْ مهّدتْ لي الطّريق لكيْ أكون كاتبة؛ منذ صغري احتوتْ خيالي ولم تصنّفه كذبا، وجّهتني بطريقة ذكيّة، استعملت فيها سياسة حرماني من اللّعب طوال الوقت ورمت بين يدي الكتب؛ فوجدتني أقرأ روايات عظيمة في سنّ مبكّرة جدًا؛ حيث بدأتُ باكتشاف الرّوايات العربيّة لنجيب محفوظ وجبران خليل جبران وتوفيق يوسف منذ الصّفّ الثّالث ابتدائي، ثمّ انتقلتُ بعد ذلك إلى عالم المسرحيّات السّحري مع شكسبير وغيره منذ الصّفّ السّابع.

‏أتذكّر بأنّ أوّل قراءة لي في المسرح كانت مسرحيّة (العاهرة الفاضلة) للكاتب والفيلسوف الفرنسي “جان بول سارتر”، والّتي كان لها الفضل في توسيع مداركي، وغيّرت نسبيا نظرتي للعالم حولي.

وحينما كنتُ أتوقّف في أمر شائك يتعارض مع قدرات استيعابي كنتُ ألجأ إلى صديقي المقرّب والدي سي نجيب البحيري؛ الّذي التمس فيّ حبا كبيرا للمعرفة؛ فغرس فيّ حبّ التّأمّل واستشفاف الكون، ولم يجبني يوما عن سؤال؛ بل يجعلني أتمنطق إلى أن أجد الحلّ، أتذكّر جيّدًا عندما اقتحم خلوتي يومًا وانتزع من بين يديّ سيناريو أكتبه على حسب مخيّلة مراهقة، غضب جدا حينئذ؛ حيث علم أنّ ابنته بدأت تنضج وأنّ أفكارها بدأت تتمرّد، وقتئذ قال لي مقتبسا من قولة علي بن أبي طالب المشهورة: “لا تكتبي إلاّ ما يسرّك يوم القيامة أن تلقاه!” ثمّ أردف بمثل فرنسي شهير: “لا تفعلي إلاّ ما تقدرين على أن تتكلّمي به على الملأ -وإن كان أباك- دون حرج!” منذ ذلك اليوم، وأنا أحاول أن أفكّر في دنياي وآخرتي معًا قبل أيّ أمر أقدم عليه.

 

حظيتُ بدراسة المسرح ضمن منهجي المدرسي في معهد ابن فاس؛ فأحببتُ الخشبة، وتعاملتُ معها، وتعلّمتُ أسسها، وأقدمتُ على الكتب المسرحيّة ألتهمها، وأعيش بين شخوصها، وأتلوّن بعوالمهم تحت أضواء ساحرة في رقعة واحدة إسمها الرّكح. لم أجد طريقي في التّمثيل بحكم العائلة، ولعلّ اهتمامي بدراستي كان السّبب الأساسي لرضوخي بالواقع الّذي فرضوه عليّ، اكتفيتُ بنقل حوارات تقتحم هدوء مخيّلتي على الورق؛ فأُسكتها وأرتاح، وأحيانًا كثيرة أمثّلها أمام مرآتي؛ ثمّ أمضي بشغف في منعرجات الرّياضيّات؛ أحلّ معادلاتها الجبريّة، وأتنزّه بين فرضيّاتها الهندسيّة.

 

تخصّصتُ بالفعل في الرّياضيّات البحتة بعيدًا عن الأدب؛ الّذي لازمني ملازمة الذّات. واشتغلتُ كأستاذة رياضيّات بسلطنة عمان تحديدًا بمحافظة ظفار، وجدتُ حيّزا أكبر من الزّمن، ووجدتُني أُفرغ حنيني كالعادة على الورق؛ أكتب وأتجوّل في خيالي بين أزقّة تونس وربوع ظفار الخلاّبة.

كان لمدرسة المطهفة بولاية ثمريت الفضل الأكبر؛ كي تقفز كتاباتي من الورق إلى النّور. عند استلامي العمل واجهتُ إشكاليّة أنّ الطّلاّب لا يعلمون شيئا عن أساسيّات المادّة؛ بحكم أنّها منطقة نائية، ولم يكن مبنى المدرسة قد جهز؛ فاعتمدوا مبدأ دمج الفصول، حينئذ فكّرتُ في ضرورة توصيل المعلومة بطريقة ذكيّة غير مباشرة، استغللتُ حبّ البدو للشّعر والفصاحة ملتمسة جرأتهم في الإلقاء، ومن هنا ولدت مسرحيّة “الأشكال الهندسيّة”

 

وشاءت الأقدار أن يحضر مشرف الأنشطة التّربويّة أستاذ سعيد الكثير على العرض في الطّبور خلال زيارته الفجئيّة، حينئذ طلب منّي أن أشارك به كنصّ مكتوب في مسابقة (مسرحة المناهج المدرسيّة) سنة 2014م، وبالفعل نال المركز الأوّل

‏ بعد ذلك في سنة 2016م، وفي المبنى الجديد للمدرسة طلبت منّي مديرة المدرسة الأستاذة الفاضلة أستاذة حمدة المسهلي أن أكتب نصا جديدا في محور حب القائد والوطن للمشاركة به كعرض مسرحي في العيد الوطني العماني؛ لكن نظرًا للوعكة الصّحيّة الّتي كان يمرّ بها السّلطان الرّاحل قابوس بن سعيد رحمه الله لم نتمكّن من التّجهيز للاحتفالات كما هو معتاد. اقترح الأستاذ سعيد الكثيري بأن أشارك بها من جديد في مسابقة (مسرحة المناهج المدرسيّة).

‏وحمدًا لله تحصّلنا على المركز الأوّل من جديد، وأكثر ما حظيت به خلال نصّي هذا تعرّفي على الكاتب المسرحي الأستاذ نعيم فتح؛ الّذي وجّهني بنقده البنّاء، وحفّزني أكثر للمضيّ قدما، وأرسلني للشّاعر والمسرحي أستاذ صلاح شجنعة؛ والّذي اقترح عليّ أن أنضمّ لورشة كتابة القصّة القصيرة مع الكاتبة والقاصّة إشراق النّهدي؛ والّتي غدت بمنزلة أخت أنجبتها لي عمان، من هنا بدأ مشواري مع القصّة القصيرة حين تعرّفت على الأديب والفنّان التّونسي نصر سامي صاحب الورشة ومدرّبها، وبدأ مشواري مع عائلتي الأدبيّة في وسط لحمة من الثّقافة وأخلاق المآثرة.

 

القراءة حياة، ما رأيك بهذه المقولة؟ و هل وجدت حياتك في القراءة؟ و لمن تسعدين لقراءة كتاباته؟ و ما المميز فيها؟

 

القراءة حيوات! تفعل القراءة ما يعجز عنه الأباء والمجتمع! تتجاوز القراءة كلّ المدارس! وتتخطّى كلّ حدود الزّمن! وبالنّسبة لي القراءة برزخٌ بين عالمين متضادّين؛ بين الموت والحياة، بين الظّلام والنّور، بين الجهل والعلم.

 

هذا بالضّبط ما فعلته بي القراءة! تمهّد لي طرقا جديدة في كلّ مرّة؛ لتنير لي حياة كانت خفيّة عنّي! وفي كلّ مرّة أجدني في مدينة كاملة مكتملة بطبيعتها وحيواتها، أتلذّذ باستكشافها متنعّمة بما تسنّه عليّ من قوانين؛ قد تغيّر بعضًا من مبادئي الّتي فرضتها عليّ مسلّمات مبهمة اندسّت فيّ دون وعي ولا إدراك ولا تساؤل.

 

أكثر من يجذبني قلمهم ومحتواهم الأدبي هم من ترعرعت على قراءة أعمالهم؛ نجيب محفوظ، علي الدّوعاجي، جبران خليل جبران، مصطفى لطفي المنفلوطي، توفيق يوسف، فيكتور هوجو، أنطون تشيخوف، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، سعد الله ونّوس، ويليام شكسبير، جان بول سارتر.. حقيقة القائمة تطول؛ فالتّنويع في القراءة لكتّاب مختلفين يمدّني في كلّ مرّة بفكر مغاير للّذي سبقه، ويفتح لي جداول تصبّ في بعضها البعض أحيانًا وأحيانًا أخرى تتنافر بسكاتٍ وتحرّضني على ثورة تقلب موازين سيلان كلّ المعلومات.

 

 

الطائرة الضخمة لا تحلق بمفردها، بل تحتاج لمحركات ضخمة كذلك لدعمها؛ حدثينا عن داعميكِ، و هل تقومين أحيانًا بدعم نفسك بنفسك إذا تخلى الجميع عنك؟

أؤمن جدًا بأنّ الإنسان لا ينجح بمفرده! هذه الطّبيعة! والدّعم الحقيقي يأتي من دعم الإنسان لنفسه حينما يتصالح مع ذاته ويتحاور معها ويحثّها ويحفّزها، عندما تصل إلى هذا التّوازن الدّاخلي؛ ستجد بأنّ كلّ من حولك قد اتّزن معك. هذه الطّبيعة أيضا. ستواجه المعوّقات والّتي أسمّيها بالطّاقات السّلبيّة؛ لكن إذا ما وصلت إلى مرحلة استشفاف الكون واستئصال حقيقته؛ فستجد بأنّ وجودها أكبر داعم؛ كي تفهم أكثر وتتقدّم بخطى ثابتة راكزة نحو النّجاح والتماس روحك السّماويّة.

 

على سبيل المثال، لم أفكّر يومًا بأن أكون كاتبة ولم أخطّط لذلك؛ لكن كلّ الطّبيعة دعمتني لأكون كذلك؛ ابتداء من الموهبة الإلهيّة والّتي تكمن في الخيال؛ ثمّ بطريقة ما صقلتها عائلتي، بعد ذلك وجدتني بين يدي أفضل معلّمي اللّغة العربيّة، ثمّ يتوفّى زوج خالتي لتجلب لنا كلّ كتبه، وعنصر الحداثة الّذي طرأ على المكتبة شدّ فضولي وجعل الطّفلة الصّغيرة تتحامل على أدب الطّفل قافزة إلى أدب أكثر عمق، ثمّ تشاء الأقدار بأن تضاف مادّة المسرح إلى مناهج المعهد الّذي تدرس به دون غيره من المعاهد، وهكذا استمرّت الطّبيعة في لعب لعبتها إلى أن حملتُ القلم بطريقة جدّيّة واقتنعتُ غصبًا بأنّني كاتبة، وها أنا اليوم لا أستطيع العيش دون خيال ودون كتابة.

 

لكل كاتب قلم يميزه عن غيره من الكتاب، و يلفت الأنظار له؛ ما المميز بقلم حضرتكم الّذي يجعل القرّاء يلتفتون إلى كتاباتك؟

 

يسعدني لو أسمع إجابة هذا السّؤال من القرّاء؛ أمّا بالنّسبة لي فلا أستطيع قراءة أعمالي بذائقة الآخرين، ولا يسعني تقييم نفسي مهما بلغتُ من النّقد أحدثه، كلّ ما أجيد فعله برأيي أنّني أكتب بفكر عميق وبتأنٍ يرتكز على المنطق، أحاول توظيف كلّ حرف وكلّ مفردة؛ فلا أضعها استعباطًا، ولستُ أدري إن كان هذا يصل للقارئ أم لا؛ لكنّني على الأقلّ أحاول جاهدة بأن يكون أحد شخصيّات النّصّ يتنقّل بينهم ويعيش معهم.

 

 

في ظلّ العالم الجديد أو ما يسمّى العولمة، هل تظنّين أنّ العالم الأدبي الآن أصيب بذلك المرض؟ أم أنه سبب في استعادة عافيته في العصر الحديث؟ و هل سكان ذلك العالم الأدبي الآن يستحقون ما يُقدَم لهم من دعم من الجهات المختصة؟

 

ممّا لا شكّ فيه بأن يتأثّر الأدب بمظاهر العولمة؛ فهو جزء لا يتجزّأ من هذا الكون. ولولا تداعيات العالم والحاجة الإنسانيّة للتّنفيس عن الذّات وتمثيل الرّوح بأشكال متجدّدة على حقبات مختلفة لما تواجد الأدب بالأساس.

 

ما قصدته أنّ الأدب لن يتوقّف، قد يتأثّر بتجلّيات العولمة؛ ولكنّه حتمًا سيتّزن متأقلما مع تيّاراتها، ثمّ إنّني لا أتّفق مع من ينعتون العولمة بالمرض، أرى بأنّها وسيلة لانفتاح العالم على بعضه بطريقة مربحة للوقت، وبالأخير الإنسان يختار أيّ درب يسلك.

 

بالنّسبة للدّعم فأنا أؤيّد فكرة دعم الكتّاب والأدباء من الجهات المختصّة؛ فهم سفراء الفكر، والوجه الإعلامي الحقيقي للحضارات وطباع شعوبها. بإمكانك الاطّلاع على ثقافة شعب كامل، وجغرافيا البلد، وتفاصيل عدّة من خلال قصّة قصيرة أو رواية أو قصيدة أو مسرحيّة أو مقالة. وأحيانًا كثيرة تجد حلًا لمشكلة ما أو تتنبّأ بمشكلة قد تحصل من خلال خيال كتاب، فمن وجهة نظري أنّ الاعتناء بما يقدّمونه مهم للغاية.

 

متى تستطيعين القول أنه قد حان وقت الاعتزال من العالم الأدبي، أم أنّها ليست محدّدة بوقت أو بزمن بعد؟

 

حقيقة السّؤال بدا لي غريبًا؛ فهل يعقل أن يعتزل الإنسان عن فكره وخياله؟ الحقيقة أنّ الاعتزال أمر متعلّق بقرار شخصي، يتعلّق برغبة الواحد منّا في التّوقّف عن القيام بشيء ما بإرادته الكاملة؛ بينما الأدب والفكر هما في الحقيقة كفّتي معادلة متّزنة، لن يتوقّف أحدهما إلاّ بتوقّف الآخر.