مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنشودة القمر

Img 20250521 Wa0018

كتبت منال ربيعي

 

أنا إياح حتب… لا يُذكر اسمي إلا ويهتز له جدار الزمن.

أنا وهج القمر حين يغضب، وسكونه حين يتأمل.

أنا الأم التي أنجبت الملوك، والروح التي نفخ فيها الإله فحوّلها إلى سيفٍ يشقّ الظلام.

 

اسمي لا يُنادى كما تُنادى النساء، بل يُتلى كما تتلى أسماء الآلهة.

 لكن حين اعتدى الغرباء على كيميت، انقلب معنى اسمي إلى قمرٍ يُشعل الحروب من أجل السلام.

خلقتني الآلهة من نورٍ ونار، فجعلتني قلبًا لا يخاف، وعقلًا لا يُهزم، وامرأةً تُحرك الجيوش بقبضة العدل.

 

عشت على هذه الأرض منذ أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، في زمنٍ سادت فيه الفوضى، وجثم فيه الرعاة الغرباء على أرض كيميت، يدنّسون معابدها، ويطمسون نور آلهتها.

 

زوجي هو الشهيد سقنن رع، الذي اختاره رع ليكون أول القربان المقدّس في معركة التحرير.

وابني الأكبر كامس، ملك جسدته ماعت بعدلها، فقاتل الهكسوس بكل ما أوتي من قوة وحرر جزءًا من أرض كيميت حتى وصل إلى حلوان الحالية.

 

أما ابني الأصغر، أحمس، واسمه يعني “ابن القمر”، فقد ولد من صُلب الغضب المقدّس، ونشأ على حكايا المجد والفداء، ليكون هو المختار الذي تتوج به النبوءة.

 

بدأت الحكاية برسالة وقحة من أبو فيس، ملك الهكسوس، فيها من السخرية ما يُغضب الآلهة:

طلب أولاً أن نسكت أصوات أفراس النهر في طيبة لأنها تُزعجه في منف!

وطلب ثانيًا أن نترك عبادة الإله الباطن آمون، ونسجد لإلهه سوتخ!

 

اهتزت الأرض من غضب الآلهة، وأوقدت سخمت نيرانها في قلبي، وناجتني في المنام قائلة:

“قومي، يا أمّ كيميت… دعي دماءك تسقي سيوفها، واملئي الأرض بأسودك.”

 

حينها، لم أنتظر رجلاً ولا أمراً. حملت راية كيميت ونزلت بنفسي إلى القرى والمدن، أجمع الرجال، وأبني جيشًا من دم العزة.

كنتُ أول امرأة تقود الجيوش على أرض المعركة.

استشهد زوجي سقنن رع، ومُثّل بجثمانه، ولم يزدني ذلك إلا تصميمًا على الثأر.

 

تولى الحكم بعده ولدي كامس، فقاتل كمن رضع لبن سخمت، وطهر أرضًا واسعة من دنسهم، لكنه التحق بموكب الشهداء، كما لحق به والده من قبل.

 

ثم جاء دور أحمس، وكان في الثامنة عشرة من عمره.

قلت له:

“لن أسمع منك كلمة أمّي، ولن تسمع مني كلمة ابني، حتى تعود رايات النصر ترفرف فوق كيميت.”

 

قاتل أحمس، ووقفت خلفه نوت تظله بنجومها، وباركته حتحور بجمال النصر، وسار أمامه آمون ممسكًا بدرع الغيب.

طرد الهكسوس من كيميت، وأفناهم عن بكرة أبيهم، حتى عاد نيل مصر يُغني دون أن يُسمع صوت استغاثة.

 

أكرمني الشعب ومنحني أعظم الأوسمة — وسام الذبابة الذهبية،

ورفعتني الآلهة فوق نساء الأرض، فكنت أول امرأة تحمل رتبة الجنرال.

 

تحول يوم النصر إلى عيد، وتغنى الشعب باسمي:

“وحي يا وحي… إياح، من قمرٍ إلى نار، ومن أمٍّ إلى أُسطورة!”

 

وأنتم يا أحفادي، ما زلتم ترددون اسمي في المعابد والحكايات.

أنا إياح حتب… سيدة المجد… وقلب كيميت النابض… ابنة الآلهة، وأمّ الملوك.