مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنا الراجل

Img 20250504 Wa0140

كتبت: ندا محمود أبو المجد

 

 

إن القوامة والمرؤة والنخوة والغيرة وحما العرض والشرف هي البذور التى تسعى أى أم إلى نثرها فى عقول أولادها الخصبة منذ نعومة أظافرهم وهو مسعى ديني ودنيوى ومجتمعي لا شك ولكن، مع مرور الأزمان واختلاف التحديات وكثرة المغريات هل يمكن أن تتشتت الأم؟ ويلهث الأب فى دوامة الدنيا متغافلًا عن مسعاه الأسمى ودوره الأهم فى تسميد البراعم التى تُركت فى هذه التربة.

 

(أنا الراجل) جملة تتردد على مسامعنا كل يوم، داخل كل بيت وفى كل مجتمع صغر كان أم كبر، ولكنها أصبحت مفخخة بالعديد كاللغم بالتصريح للموبقات وفرض النفوذ بل والختم على الأفواه والعقول بحجة أنه.. أنا الرجل.

فنرى شاب يمارس الموبقات ويبيح لنفسه كل المحظور بطن كان أم ظهر وإن سُئل أو هوجم يحضر السبب فيبطل العجب بأنه هو الرجل وهذا هو ما تربى عليه وحفر فى جدران عقله، حتى فيما يتعلق بالشرف فشرفه متجدد لا ينضب مثل الأنثى، بل يزداد ويزدهر بموبقاته ونزواته ليكافأ فى ختام الرحلة بذات الشرف والعفاف المصون، الفظيع فى الأمر أن مثل تلك الاراء لا تختص بفئة متدنية التعليم مثلا بل تصل حتى أساتذة الجامعة ولازلت حتى يومى هذا أذكر قول أستاذة بعلم الاجتماع عن سؤالها حول موضوع يخص تلك النقطة قولها نصًا:

((لأ الكلام دا كلام محاضرات وكتب بس لو بنتى جت بعد ١٠ مثلا دا أنا أقطم رقبتها إنما الولد ولد، الولد أخره راجل ويلعب براحته! عمرى ما أساوى بين الولد والبنت لا فى الثواب ولا العقاب)) والجدير بالذكر أن تلك الأستاذة أصبحت رئيسة القسم فيما بعد.

 

ونرى قسم لا ريب فيها من الرجال، تمتد أبصارهم لإرث زوجاتهم عن ذويهن بل ولمرتباتهن فى بعض الأحيان وإن لم يكن بالسؤال صراحة فبالضغط خفية لتقاسم مصروفات المنزل أو التنصل من متطلبات زوجاتهم الخاصة وتتعدد الأسباب ولكن تبقى النهاية واحدة أنه إن تمنعت المرأه فهى ناكرة، جاحدة بيدها طوق النجاة وتأبى أن تنتشل زوجها به وإن كانت تجود عن كرم وأمتنعت أو أثرت لنفسها بضع جنيها فإذًا هي مجرمة، أثمة وقصرت بواجباتها الزوجية ومادام ذلك فلا عمل لها بعد اليوم فبيتك أصبح أولى وما يجود به الزوج كثر أو نقص هو قسمتك وإما هذا وإما لعنتكى الملائكة.

 

بل وأصبح الحديث حتى أحيانًا حكرًا على الرجل، ومطالبتها بحقوقها ضربًا من الفجور والعار وتطرقها لمواضيع بذاتها قلة حياء، فنرى كثيرًا من النماذج التى تدعى التفتح والتعلم والاعتراف بحقوق المرأة علانية، تمقت ذلك فى الخفاء وتحرص على عدم حصول ذويهن عليه وإن حصل فتلك بداية الانحلال والانحراف، فكيف للمرأة أن تسلط الضوء على المشاكل الزوجية الخاصة التى قلما يخلو منها منزل، أو أن تطالب فقط بتلك الحقوق فهذا فى حد ذاته إنحراف وإن كانت متزوجة!

وإن تطرقنا لبعض الظواهر الشاذة التى أصابت المجتمع مثل انتهاك براءة الأطفال بغرائز وحشية فنرى أن حديث المرأه فى حد ذاته وإشارتها لوجود تلك الظواهر المنفرة أيضًا يعد دربًا من انعدام الحياء وإن كانت الأم هى التى تلام فى نهاية المطاف إن أصاب الطفل مكروه…

 

وهنا أسأل هل أساءنا استخدام تصريحات القوامة؟ أم أن المصطلح عطب فى عقولنا من البداية ولهذا شوهت القوامة؟ هل نعى حقًا أن القوامة فى حد ذاتها هى تكليف أكثر من كونها تشريف؟

 

إن القوامة فى أساسها هى كما جاء فى قوله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم:

『الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) 』

 

فهى قوامة تدبير وحفظ ورعاية على شئون المرأه ومصالحها وتوجيهها بالحسنى وبالاقتداء بالمثل العليا المفترض تواجدها للرجل القوام، الراعٍ وله

والتفضيل كما جاء في الآيه الكريمة ينشق إلى أمران

التفضيل الكسبي الذى يندرج تحت بند ليس الذكر كالأنثى، لهذا هم قوامون بما أنفقوا كالمهور والنفقات والكلف التى أوجبها الله عليهم

والتفضيل الوهبى الذى من به الله عليه من بنيان جسدى وضبط النفس والتحكم فى المواقف الصعبة، فمما لا شك فيه أن التكوين العقلى بين الذكر والأنثى شتان وله فى ذلك حكم من تحمل المرأة لمسئولية الحمل والولادة والرضاعة والتربية والاحتضان بما لا يطيق الرجل والعكس صحيح.

وحتى إن تطرقنا للعقاب فنجده عظوهن ثم اهجروهن فى المضاجع أى ليس التلصص من مسئوليتهن أو قوامتكم،ثم اضربوهن وهو الأمر الذى ساء استخدامه بل وبشعة ويلاته، فالتفسير الصحيح هو الضرب الخفيف كتوبيخ الصبي حتى أن البعض قالوا بالسواك الذى لا يترك أثر سئ بالنفس ولا الجسد، وإلا فكيف أمرنا الله بتسريحهن بإحسان.

 

وعليه فإن المرأه لاقت مثل تلك القوامة وما أطاعت إلا وكانت أثمة النفس غير سوية ووجب حينها تقويمها من البداية كطفل يبدأ الحبو.

 

وبعد أن عرفنا الأصل فى القوامة وأسس تنشئة الرجال، وأن يوم الحساب ستحاسب جميع الإناس سواسية، حرى بنا أنها ليست فقط تكليف بل ومهمة صعبة، تبدأها الأم داخل الأسرة ويرعاها الأب داخل أسرة سوية لا تتبني أطرافها شعارات فارغة وأراء كاذبة بل واقع ملموس يحسه الطفل ويتشربه جيدًا فحينها فقط تصبح كلمة أنا الراجل شرف وأمان وقوامة وليست بداية لضياع الحقوق ونشوذ الأفعال.