في زوايا الروح أماكن لا تطالها الأضواء، غرف ضيقة لا يدخلها أحد، يعلو فيها صدى الكلام المؤجل، والاعترافات التي تاهت بين القلب واللسان. هناك، حيث يسكن التعب القديم، والخذلان المتجدد، والحنين لما لم يحدث. كم من مرةٍ صمتُّ فيها لأنني تعبت من الشرح؟ وكم من مرةٍ ضحكتُ فقط لأخفي ارتجاف قلبي؟ بداخلي فوضى لا يراها أحد، ومعركة لا يسمع صوتها سواي.
أرهقني الركض خلف راحتي، خلف نقطة توازن أتمسك بها فلا تنكسر نفسي أكثر. أحاول أن أبدو ثابتة، قوية، وكأنني لا أتأثر، لكن الحقيقة أنني أتهشم بصمت. كل فكرة تمرّ برأسي تحمل وزنًا ثقيلًا، وكل موقف بسيط يعيد لي وجعًا قديمًا لم يلتئم بعد. أغرق في التفاصيل، في نظرات الآخرين، في احتمالات لا نهاية لها. عقلي لا يهدأ، وقلبي لا يستكين، وكأنني أعيش مع نفسي خصومة لا تنتهي.
يظنّ البعض أنني بخير، لأني أجيد ارتداء قناع السلام، لكن لا أحد يعلم كم مرة بكيت قبل أن أنام، أو كم تنهيدة خنقتها كي لا يشعر أحد بي. الوحدة لا تعني غياب الناس، بل غياب الفهم، غياب من يراك دون أن تشرح، ويشعر بك دون أن تنطق. أشتاق لنفسي القديمة، تلك التي كانت تفرح لأبسط الأشياء، وتثق في الجميع، وتصدق أن الغد أجمل.
لا أطلب الكثير، فقط القليل من السكينة، القليل من الأمان، القليل من الصدق في عالم مليء بالتزييف. أريد أن أشعر أنني كافية كما أنا، دون أن أبرر وجودي، دون أن أبرهن أنني أستحق الحب، أو أنني لا زلت أصلح للفرح. أريد لحظة أنظر فيها في المرآة فأعرف من أكون، دون تردد، دون خوف، دون شعور بالغربة من وجهي.
إنني أكتب الآن لأتنفس، لأن الكتابة هي النافذة الوحيدة التي أُطلّ منها على روحي. أكتب لأقول ما لم يُقل، لأحرر نفسي من صمتٍ طال، ومن ثقلٍ بات يؤلم ظهري دون أن أحمله بيدي. أكتب لأبقى على قيد الوعي، على قيد الحياة، على قيد الصدق. ففي زمنٍ يُعلّمنا كيف نُخفي مشاعرنا، تظل الكتابة هي الشاهد الوحيد على ما مررنا به، وما لم نستطع البوح به.






المزيد
اليأس ملأ قلبي بقلم سها مراد
الهاوية بقلم خنساء الهادي مصطفى
أهلًا وسهلًا بكم في الموسم الثاني من برنامج “نصيحة اليوم”بقلم عبدالرحمن غريب