بقلم: عمرو سمير شعيب
يخرج الإنسان من بعض العلاقات مثقلًا بشعورٍ يصعب تسميته بدقة، ليس حزنًا خالصًا ولا غضبًا كاملًا ولا حتى حنينًا واضحًا، بل إدراكٌ متأخر بأن زمنًا كاملًا من حياته قد وُضع في المكان الخطأ، وأن سنواتٍ كان يمكن أن تكون امتدادًا طبيعيًا لنموّه الشخصي قد انصرفت بدلًا من ذلك في محاولة إبقاء شيءٍ غير قابلٍ للحياة على قيد البقاء. في العلاقات المؤذية، وخصوصًا تلك التي تتخفّى طويلًا خلف أقنعةٍ مقنعة، لا يكون الألم الأكبر في ما حدث بقدر ما يكون في كمّ الوقت الذي عُيش قبل أن يتضح ما يحدث أصلًا، إذ لا يدرك الإنسان في حينه أنه لا يعيش علاقةً بقدر ما يعيش تأويلًا مستمرًا لها، ولا يرى الآخر كما هو بقدر ما يراه كما يحتاجه أن يكون. سنواتٌ مرّت ونحن نؤوّل الإشارات بحسن نية ونبرّر التناقضات ونؤجّل الشك حمايةً للأمل، نعيد قراءة المواقف على نحوٍ أكثر رحمةً مما تستحق، ونمنح الأعذار قبل أن تُطلب، ونفسّر القسوة على أنها تعب، والغياب على أنه انشغال، والبرود على أنه خوف، ظانّين أننا نحافظ على علاقة بينما كنا في الحقيقة نحافظ على صورةٍ عنها، صورةٍ كانت تتطلب منّا جهدًا دائمًا كي تبقى متماسكة في وعينا رغم أنها كانت تتفكك في الواقع بصمت. وحين ينكشف القناع أخيرًا لا يسقط فقط وهم الشخص، بل يسقط معه زمنٌ كامل كان معلّقًا به، وفجأةً لا يبدو الماضي كما عُشناه بل كما كان: محاولاتٌ طويلة لترميم ما لم يكن قابلًا للإصلاح، وانتظارٌ ممتد لتحوّلٍ لم يكن في نية أحدٍ أن يحدث، واستثمارٌ عاطفي في بنيةٍ لم تكن حقيقية بما يكفي لتستحق هذا القدر من العمر. عند تلك اللحظة يتبدّل موقع الألم، فلا يعود موجّهًا إلى الآخر بقدر ما يتجه إلى الزمن نفسه، إلى السنوات التي مضت تحت تفسيرٍ خاطئ، وإلى النسخة التي كنّاها ونحن نعيش داخل ذلك التفسير. هناك ندمٌ خاص لا يعرفه إلا من مرّوا بهذه التجربة، ندمٌ لا يتعلق بالحب ذاته بل بموضعه، ولا بالجهد بل بوجهته، إذ يدرك الإنسان أنه لم يخطئ في القدرة على العطاء بقدر ما أخطأ في اختيار الحاوية التي وضع فيها عطاءه. إنه شعورٌ بأن نسخةً سابقةً من الذات عاشت زمنًا كاملًا داخل قراءةٍ غير دقيقة للواقع، وأن تلك النسخة لا يمكن العودة إليها الآن لننقذها بما نعرفه متأخرين، ولا لنمنحها البصيرة التي لم تكن تملكها آنذاك، فينشأ نوعٌ من الحزن الهادئ على ذاتٍ قديمة كانت تتحرك بثقة داخل وهمٍ بدا لها آنذاك حقيقيًا بما يكفي لتبني عليه قراراتٍ مصيرية. ومع ذلك لا يبقى هذا الإدراك جرحًا مفتوحًا إلى الأبد، فشيئًا فشيئًا يتبدّل موضعه داخلنا، لأن الخبرات التي تستنزف الزمن على هذا النحو تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالوقت نفسه، فالذي خبر استنزاف سنواته في علاقةٍ مزيّفة لا يعود يرى الزمن موردًا مرنًا يمكن تعويضه لاحقًا، بل يصبح واعيًا بندرته وبأنه المادة الوحيدة في الحياة التي لا تقبل الاسترجاع. ومن هنا تتغير الحساسية الداخلية، فيصير أكثر انتباهًا للإشارات الأولى للاختلال، وأقل استعدادًا لتأجيل الإدراك بدافع الأمل، وأشد حذرًا من الميل القديم إلى إنقاذ ما لا يريد أن يُنقذ، وأوضح فهمًا للفارق بين التعاطف الذي يغذّي العلاقة والتضحية التي تستنزف صاحبها دون عائدٍ إنساني متبادل. وهكذا يتحوّل الندم من شعورٍ موجع إلى شكلٍ جديد من المعرفة، معرفةٍ تعيد ترتيب قيمة الوقت داخل التجربة العاطفية، وتجعل الحضور في العلاقات فعلًا واعيًا لا اندفاعًا طويل الأمد، وتمنح الإنسان قدرةً أكبر على الانسحاب حين يتبيّن أن ما يُستثمر من عمره يتجاوز بكثير ما يتلقاه من حياة. السنوات التي مضت لا تعود، لكن علاقتنا بما تبقّى منها تتغيّر، إذ لا يعود الماضي مجرد خسارةٍ صافية بل يصبح خبرةً حدّية تكشف هشاشة الأوهام حين تُغذّى بالزمن، وتكشف في الوقت نفسه قدرة الوعي المتأخر على حماية ما بقي. وهنا فقط يفقد الندم قسوته ويصير بصيرة، لا لأنه يبرّر ما حدث، بل لأنه يحوّل ما فُقد إلى معيارٍ جديد لاختيار ما سيأتي، ويجعل الإنسان أقل ميلًا إلى منح أعوامه القادمة لما لا يملك مقومات البقاء، وأكثر حرصًا على أن يُستثمر ما تبقّى من عمره في علاقاتٍ قادرة على أن تكون حيّة بالفعل لا متخيلة فحسب.
أحيانًا لا نتعلّم من العلاقات المؤذية كيف نحب أقل، بل كيف لا نُهدر أعمارنا في المكان الخطأ.






المزيد
بين رحمة القلب وحذر العقل
متاهة البيانات: عندما يعصف التراخي بنظم التخطيط
شهر رمضان فرصة لتحكم فى المشاعر