مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لو كان بإمكاني بقلم الكاتب هاني الميهي

لو كان بإمكاني
الكاتب: هاني الميهي
لو كان بإمكاني أن أغيّر شيئًا واحدًا في نفسي، لما بحثت عن تغييرٍ في المظهر أو القرار…
بل كنت سأغيّر علاقتي بالحياة نفسها، وأتعلم كيف أعيشها كفصولٍ أربعة، لا كفصلٍ واحدٍ متكرر لا يتبدّل.
كنت سأبدأ بالربيع…
ذلك الوقت الذي لا يطرق الباب، بل يدخل القلب فجأة دون استئذان.
حين تكون الأفكار أخف من الهواء، والأمل يشبه البراعم التي تخرج من الأرض رغم كل ما فوقها من ثِقل.
الربيع ليس مجرد بداية، بل وعدٌ خفي بأن ما مات داخلنا يمكن أن يعود دون تفسير.
رائحة المطر الأولى، الضوء الذي يتسلل بين الأشياء كأنه يختبر الحياة من جديد، والروح التي تتظاهر بأنها لا تعرف الحزن ولو للحظة.
ثم يأتي الصيف…
لا كمرحلة هادئة، بل كحرارة داخلية لا تسمح بالسكوت.
كل شيء فيه واضح أكثر من اللازم، المشاعر مكشوفة، القرارات سريعة، والقلوب تمشي وكأنها في سباق مع نفسها.
الصيف هو لحظة القوة حين تظن أنك قادر على حمل العالم، حتى وإن كنت تحمل نفسك بصعوبة.
الضوء فيه قاسٍ أحيانًا، لكنه صادق، لا يترك ظلًا يخدعك، ولا يمنحك فرصة للاختباء من حقيقتك.
ثم يبدأ الخريف…
الفصل الذي لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يغيّر كل شيء بصمت يشبه الحكمة المتأخرة.
الأوراق لا تسقط فجأة، بل تتخلى عن أماكنها بهدوء، كما تتخلى النفس عن بعض أحمالها دون إعلان.
في الخريف تفهم أن ليس كل فقدان خسارة، وأن بعض السقوط مجرد شكل آخر من أشكال النضج.
الهواء يصبح أخف، لكنه يحمل في داخله شيء من الحنين الذي لا يُشرح.
وأخيرًا الشتاء…
ذلك الفصل الذي يبدو وكأنه توقف للحياة، لكنه في الحقيقة أعماقها الأكثر صدقًا.
الهدوء فيه ليس فراغًا، بل امتلاءً داخليًا لا يُرى.
كل شيء ساكن في الخارج، لكن الداخل يعمل بصمت: يعيد ترتيب نفسه، يرمم ما انكسر دون ضجيج، ويجمع بقاياه ليبدأ من جديد.
الشتاء لا يطلب منك أن تكون قويًا، بل أن تكون صادقًا مع ضعفك دون خوف.
تعلمت متأخرًا أن الفصول لا تتصارع، ولا تُقارن، ولا تُحاسب بعضها البعض.
لكنني أنا من كنت أُرهق نفسي بمحاولة أن أبدو دائمًا في حالة واحدة… وكأن التغير خطأ يجب إخفاؤه.
لو كان بإمكاني أن أغيّر شيئًا،
لسمحت لنفسي أن أعيش الفصول كما هي… لا كما أريدها أن تكون.
وفي النهاية… لم يكن ما أحتاج تغييره في نفسي هو حياتي، بل خوفي من أن أعيشها مثل الفصول: لا فصلًا واحدًا، بل تغيّرًا لا يعتذر عن كونه حياة.