“شيخوخة الوعي”
للكاتبة: أميرة الزملوط
مؤلفة رواية: “لستُ مجنونًا ولكني لم أعد طبيعيًا”
لو كان لي تغيير شيء واحد؛ لما انشغلتُ بإصلاح هذا العالم المتداعي، بل لصببتُ جام غضبي على تلك اللحظة التي استيقظ فيها وعيي أول مرة؛ تلك اللحظة التي صار فيها عقلي فخًا لا يكفُّ عن اصطياد التفاصيل.
كنتُ سأغرس في عقلي شيئًا من البلادة، شيئًا يحميني من امتصاص كل تلك التفاصيل التي تمر على الآخرين مرور الكرام.
كنتُ سأنتزع من أعماقي هذا الشغف المسموم في تتبع الأسباب والغايات والمعنى خلف كل ظاهر.
ليت إدراكي كان يتخلفُ دائمًا عن الحدث، ولعلني أفلتُ من جحيم التوقع الذي يحرق عليّ اللحظة.
ليتني استبدلت هذا الفهم بجهلٍ مطبق، أو سرتُ مغمضة العينين باتجاه القطيع؛ فهذا التأمل المفرط الذي يسكنني هو مرضي المزمن، والتشوه الذي وُلدتُ به ولا رادّ له.
أشعر أنني غريبة حتى عن نفسي، مسجونة في زنزانة الوعي منذ الصغر، إذ بدأتُ أتأمل في ماهية الأشياء قبل أن يحق لي أصلًا فك رموزها.
وبينما كان أقراني يركضون خلف كراتهم الملونة، كنتُ أقفُ متسمرةً أرصد بواعث أفعالهم، وأفككُ حركاتهم كما لو كانت آلاتٍ ميكانيكية تخضع لقانونٍ ما،
وأتأمل في حركة الظل خلفهم وفي التلاشي الذي يصيب الأشياء.
لقد سُرقت مني تلك الغفلة المقدسة التي تجعل الطفل ملكًا على وقته.
حتى بتُّ أشعر أنني لا أنتمي لهذا الجيل، ولا أجدُ لي مكانًا وسطهم؛ كأنني تلك المسنة التي تجلس في صدر المجلس، تراقب جيلًا كاملًا لا تربطها به صلة.






المزيد
لو كان بإمكاني تغير شئ واحد لكان حبي القديم بقلم عبدالرحمن غريب
لو كان بامكاني تغير شيء واحد لكان بقلم أسماء علي محسن
شعوري بذنب الادب بقلم صافيناز عمر