بقلم: عمرو سمير شعيب
يعيش كثيرٌ من الناس في زمننا المعاصر تحت ضغطٍ خفيٍّ يتعلّق بما يمكن تسميته بفكرة التأخّر في الحياة؛ ذلك الشعور الذي يهمس في داخل الإنسان بأنه لم يصل بعد إلى المكان الذي كان ينبغي أن يصل إليه، وأن الآخرين يمضون أسرع منه في سباقٍ غير مُعلَن نحو النجاح والاستقرار والاعتراف الاجتماعي.
لا يأتي هذا القلق عادةً من تجربة فردية خالصة، بل يتشكّل داخل سياقٍ اجتماعي واسع يُقارِن فيه الإنسان نفسه باستمرار بما يراه حوله، سواء في دوائر معارفه القريبة أو في الصور اللامعة التي تعرضها الحياة العامة ووسائل التواصل. ومع تكرار هذه المقارنات يتسلّل إلى الوعي تصوّرٌ غير دقيق عن مسار الحياة، كأن لكل إنسان جدولًا زمنيًا صارمًا ينبغي أن تتحقق فيه الإنجازات الكبرى في توقيتٍ محدد، وكأن أي انحراف عن هذا الجدول يعني نوعًا من الفشل أو النقص.
غير أن هذه الفكرة، في جوهرها، تقوم على وهمٍ جماعي أكثر مما تقوم على حقيقة إنسانية ثابتة؛ لأن الحياة في واقعها ليست خطًا مستقيمًا يسير فيه الجميع بالسرعة نفسها، بل مسارات متعددة تتقاطع فيها الظروف والفرص والاختيارات بطرقٍ يصعب توقّعها أو قياسها بمعيارٍ واحد.
المشكلة أن الإنسان، حين يقتنع بوجود هذا الجدول الزمني المتخيَّل، يبدأ في تقييم ذاته وفقه؛ فينظر إلى ما لم ينجزه بدلًا من النظر إلى ما تعلّمه، ويشعر بأن الوقت يطارده بدلًا من أن يراه فضاءً مفتوحًا للتجربة. ومع مرور الوقت يتحوّل القلق من التأخّر إلى عدسةٍ يرى من خلالها حياته كلّها، فيفقد القدرة على تقدير الخطوات الصغيرة التي يقوم بها يومًا بعد يوم؛ لأنها لا تبدو كافية بالمقارنة مع الصورة المثالية التي رسمها في ذهنه.
غير أن النضج الإنساني غالبًا ما يبدأ حين يدرك الفرد أن مسار الحياة لا يمكن اختزاله في ترتيبٍ زمني موحّد، وأن القيمة الحقيقية للتجربة لا تُقاس بسرعة الوصول، بل بعمق التحوّل الذي يحدث في الداخل. فبعض الناس يصلون مبكرًا إلى ما يريدون، ثم يقضون سنوات طويلة في اكتشاف أنهم لم يفهموا أنفسهم بعد، بينما يمضي آخرون وقتًا أطول في البحث والتجريب قبل أن تتضح لهم الطريق التي تناسبهم فعلًا.
من هذا المنظور يصبح ما نسمّيه تأخّرًا مجرد مرحلة من مراحل التكوين، لا حكمًا نهائيًا على قيمة الإنسان. وحين يتحرّر الفرد من ضغط المقارنة المستمرة، يبدأ في رؤية حياته بوصفها تجربة شخصية لا سباقًا عامًا؛ تجربة تتطلّب الصبر بقدر ما تتطلّب الطموح، وتحتاج إلى الإصغاء إلى الإيقاع الداخلي للحياة أكثر مما تحتاج إلى مطابقة التوقعات الخارجية.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي