يوميات قطرة الندى، حكاية بيسان ودروس التقبل

Img 20240630 Wa0238

 

كتبت: هاجر حسن 

 

استيقظت قطرة الندى في تمام السادسة صباحًا، وهبطت مسرعة إلى الأرض لتأخرها عن معاد رحلتها اليومية. تحركت مع الرياح مثل لؤلؤة صغيرة تتلألأ تحت ضوء الفجر. 

في تمام السابعة ونصف، هبطت قطرة الندى على حقيبة فتاة صغيرة. كانت الفتاة، ذات شعر برتقالي مموج كأنه خيط من أشعة غروب الشمس. عيناها تشعان بالبراءة والخجل، وترتدي تنورة زرقاء وقميص أبيض تزينه خصل شعرها المموج.

 

كانت الفتاة تقف في فناء مدرسة واسع تزينه الأشجار، والتلاميذ مصفوفون بنظام، كأنهم حبات عنب مرصوصة بعناية فائقة. يزين الفناء ويزيده رونق علم مصر الذي يرفرف مع نسمات الهواء. 

 

نظرت قطرة الندى حولها، لتجد الجميع يقف متأهبًا لتحية العلم، ثم انصرف جميع التلاميذ بانتظام إلى صفوفهم.

 

صعدت الفتاة ذات الشعر البرتقالي السلالم إلى فصلها، كانت الفتاة تصعد السلالم وعلى ملامحها قلق وتوتر وتُتمتم لنفسها: “ليت يومي الدراسي يمر بسلام.” وقطرة الندى تقف على حقيبتها، تتابع بترقب بالغ وفضول ما يحدث.

 

دخلت المعلمة الصف وألقت التحية، ثم سألت التلاميذ عن أسمائهم، بدأ جميع التلاميذ بالتعريف عن أسمائهم حتى جاء دور الفتاة الجميلة. وقفت الفتاة لتعرف عن نفسها، وشعرت بخوف يتسلل إلى قلبها، وتذكرت المرات السابقة التي ضحك فيها الآخرون على نمش وجهها. لكنها رفعت رأسها ببطء، محاولة استجماع شجاعتها لتقول: “اسمي بيسان.” وقبل أن تكمل حديثها، حدث ما توقعته، نظر لها جميع التلاميذ ثم بدءوا بالضحك عليها. نظرت الفتاة إلى الأرض وتجمدت بمكانها، كانت الدموع تنهمر من عينيها الواسعتين كأنها لآلئ ثمينة.

 

قالت المعلمة بصوت حازم: “سكوت”. 

عم الصمت أركان الصف، وصمت جميع التلاميذ. ثم قالت بصوت حنون وابتسامة مشجعة: “تعالى هنا أيتها الفتاة. وقفت بيسان بجوار المعلمة، وجسدها الصغير يرتجف اضطراب وخوف. قالت المعلمة:” لا تخجلين صغيرتي، ما أجمل اسمك يا بيسان، وما أجمل لون شعرك الحريري الذي كأنه أخذ جماله من لون غروب الشمس.” رفعت بيسان نظرها من على الأرض، وتوقفت دموعها ونظرت إلى المعلمة بخجل وفرحة تنبعث من عينيها. 

 

أردفت المعلمة: “ما هو الشيء الذي أضحككم عندما وقفت زميلتكم بيسان لتعرف عن نفسها؟ ما المضحك في أن يحمل وجهها نقاطًا بنية كأنها نجوم تزين وجهها الأبيض الملائكي؟” 

 

صمت جميع التلاميذ ونظروا إلى بعضهم باندهاش وخجل، والبعض الآخر نظر إلى بيسان يراقب ملامحها ويشعر بمدى جمالها، وأن المعلمة على حق. تابعت المعلمة قائلة: “لقد خلق الله الإنسان وأبدع في صنعه وخلقه، قال تعالى (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم). فجميع خلق الله لديهم ما يميزيهم عن الآخر. خلق الله الأبيض والقمحي والأسمر، الطويل والقصير، الرفيع والسمين، ولكل منهم جمال مختلف يميزه عن الآخر. إننا جميعًا مختلفون، وجمالنا يكمن في تلك الاختلافات. النمش ليس بعيب، العيب أن يسخر أحدكم من الآخر، فهذا خلق الله. اعتذروا جميعًا لصديقتكم بيسان.”

 

اعتذر جميع التلاميذ لبيسان ورحبوا بها، ونظروا لها نظرة مختلفة لامعه. جلست بيسان في مقعدها وكأن الفراشات تطير حولها من أثر الفرحة، 

ولأول مرة تشعر أنها ليست مختلفه وتحب وجهها.

 

أما قطرة الندى فرحت كثيرًا من تصرف المعلمة، وفرحت أيضًا من أجل الجميلة بيسان.  

عندما انتهى اليوم الدراسي، وخرج جميع التلاميذ من بوابة المدرسة بانتظام. شعرت قطرة الندى بإن رحلتها لهذا اليوم كانت مميزة. وهبطت من فوق حقيبة بيسان برفق، وانطلقت مع الرياح التي حملتها نحو البحيرة، وصعدت مع أشعة غروب الشمس إلى السماء، متأملة في الدروس التي تعلمتها عن قيمة الإنسان، وجمال الاختلافات، وتقدير خلق الله…..

عن المؤلف