كتبت: علا يوسف اللبان
“تمر بنا الأيام و تتلاشى، أو ربما تندثر صفحات بيضاء كانت تحمل في طياتها نفحات من الصدق و الوفاء، ربما نتعرقل بها قدرًا في حياتنا، ربما تظل مدفونة في أعماقنا! .لكن يقيني أنها أصبحت صفات تشبه الحفريات طمرت في الرسوبيات، وتوارت في الرمال؛ يستحيل وجودها بين مدعى الإنسانية”.
هل تشعر بالصدق و الوفاء في عالم بات كل شئ فيه مزيفًا ؟!. حقًا الزيف سيذهب جفاءً، أما ما ينفع الناس سيمكث في الأرض؛ أي حديث يتخلله النفاق فهو عارٍ وإن بدا منمقًا، فهو أجوف، وإن زُين بأقلام مرتجفة، قليلة الحيلة، كليلة اللسان. أظن أن الإنسانية وأدت حية منذ زمن بعيد. أرى الإنسانية التي تحمل على عاتقها الصدق و ذالوفاء محمولة على النعوش لتصل سالمة إلى حجراتها المجهزة لها في باطن الأرض. أشاهدها تنازع و تقاتل تصرخ بأعلى صوت أنها علي قيد الحياة !. فهل من مجيب؟!.
لقد ساهمنا جميعًا في حمل الإنسانية إلى مثواها الأخير. ربما شاركنا في جنازتها المهيبة، وتلقينا العزاء بأيدينا الملطخة بدمائها البريئة؛ ربما كلماتنا التى لا نلق لها بالًا كانت ركيزة أساسية لتهوى بالإنسانية إلي مكانٍ سحيقٍ. ربما اللامبالاة التى اجتاحت العالم؛ صنعت كبوة كبرى عصفت بالإنسانية فأصبحت هشيمة تذروها الرياح. لقد تعكرت النفوس البشرية؛ فأرسل عليها حسبانًا من السماء فأصبحت الإنسانية صعيدًا زلقًا.
الأشد حسرة أن ماء الإنسانية أصبح غورًا؛ فما عدت تستطيع طلبًا؛ فأصبحت تقلب كفيها حزنًا وأسفًا لما ألت إليه فلم تجد إلا أنها أصبحت خاوية على عروشها.
كلما أبحرت في عالمنا الواقعى وجدت الإنسانية غارقة في بحر لجي؛ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب؛ لا تستنجد بالورى، تصرخ صرخًا مدويًا لربما ينصت إليها سباح ماهر، أوتحدث المعجزة المنشودة و يتعلم الورى السباحة؛ ليغوصوا في أعماقها، لكى نتعلم السباحة لا بد أن نتعلم الغوص في إنسانيتنا أولًا؛ لنستخرج بقاياها المدفونة بداخلنا. فلا نمد أيدينا وهي خالية الوفاض؛ حتى لا نبحر كثيرًا في سراب وهم الإنسانية المذعومة التي تحققت بتخاذلنا عن الحق.
إن بدت الأعماق مخيفة كلها ظلمات، حتى وإن غرقت الإنسانية في بحر متلاطم الأمواج ، حتى و إن توارت الإنسانية تحت أعماق البحار،
بالرغم من أن الإنسانية تلوح بأيديها مقيدة أسيرة في يد قراصنة البحار تنتظر النجاة من الليالي السرمدية إلا أنها تقاوم، ولا تستسلم للهوان.
الإنسانية ليست مجرد كلمة تمر مرور الكرام؛ لكنها كيان ترعرعت فيه بذور الخير؛ فحصدت محصولًا هائلًا من الصفات المحمودة. الإنسانية ليست شعارًا هزليًا يروجه الباعة الجائلون في الشوارع القديمة ، لا تظن عزيزي القارئ أنها لافتة تضعها على الحائط، أو وسام زائف تضعه على صدرك.
الإنسانية أصبحت عملة نادرة فقدت بريقها، فقدت قيمتها في غياهب عالم داهمه الجهل و الجحود. عالم سعى في طريق الظلمات؛ فدهس الإنسانية دهسًا مميتًا و ظلت تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت عجلات القهر و الطغيان.
الإنسانية تكمن في مواقف تنطبع في القلب قبل الذهن. تمهل عزيزي القارئ، و اسرد أعوامك الماضية على نفسك في صورة قصة قصيرة، و تأملها كما تتأمل العالم المزيف من حولك؛ فإن وجدت أنك دخلت حلبة المصارعة؛ لتصارع موبقات هذا العالم، وتحيا بقلبًا يحمل إنسانًا؛ يستاء من كل القبح الذي يدور في ساقية النفاق، والخداع؛ فاسجد لله شكرًا أن بداخلك إنسان، وإن وجدت غير ذلك، فابحث عن نفسك في الطرق الوعرة ربما تجد نفسك وُأدت حيًا.
هل عالم الإنسانية خاص بالجنس البشرى فحسب ؟! .
في عام ١٩٢٤ امتلك الأستاذ الجامعي البروفيسور «هيد سابورو» كلبًا يُدعي «هاتشيكو». اعتاد هاتشيكو مرافقه البروفيسور كل يوم إلى محطة القطار عند ذهابه للعمل، و كان يظل هاتشيكو واقفًا ينتظر البروفيسور حتى يعود من عمله في جامعة طوكيو . شهدت محطة شيبويا هذا المشهد السالف ذكره كل يوم .
بعد مرور عام اتشح الكون بالسواد !. لقد مات البروفيسور فلم يعد من مكان عمله. انتظر الكلب «هاتشيكو» صاحبه زمنًا طويلًا ما يقرب من عشر سنوات في نفس المكان، بالرغم من المحاولات المضنية لإبعاده عن محطة شيبويا، لكن باءت كل المحاولات بالفشل الذريع.
تُرى لماذا؟!.
لأن الكلب الذي لا يعقل يحمل الوفاء بداخله فلم يثنيه وفاءه عن موقفه النبيل ! .لأن « هاتشكيو» يقدر صاحبه الإنسان، و يعرف قيمة الإنسانية فلا يركلها بأقدامه؛ ليصل لغايات فانية.
أثارت قصة «هاتشيكو»ضجة كبيرة في اليابان، تنافست الصحف للكتابة عن قصة وفاءه النادرة. في عام ١٩٣٤ قام نحات ياباني بصنع تمثال من البرونز لهاتشيكو، شهدت محطة شيبويا احتفالًا مهيبًا بالكلب الوفي، وحضره «هاتشيكو» بنفسه . وتم نصب التمثال بمحطة شيبويا. بعد هذا الاحتفال عثر على «هاتشيكو» ميتًا في أحد شوارع المدينة .
لقد تم تكريم «هاتشيكو» على إنسانيته في عالم يعترف بحق الحيوان في التكريم، والمدح، والاستحسان لما بذله من إخلاص، ووفاء نادر الوجود. أما فى عالم ضاعت فيه أبسط حقوق الإنسان، فلن تجد إلا بقايا إنسانية محفورة في صخور صماء؛ جُبلت على الخرس المميت. فلن تُكرم الإنسانية، ولا من يمت لها بصلة من قريب أو بعيد ؛ بل تصبح جريمة شنعاء، نطمس معالمها سريعًا حتى لا تمتد جذورها، وتقطف ثمارها بل تظل في باطن الأرض ثُرثي حالها، ويرثيها كل مَن انتمى لها !.
لقد قطعت أواصر الإنسانية التي أصبح جزء منها قائمًا على إستحياء؛ يتوارى من الخلق من إنسانيته القاتمة المقيتة التي تشوبها شوائب الحقد، والضغينة، والعداء .المنافسة أصبحت بين مدعي الإنسانية وبين مروجيها!.
في هذا العالم الإنسانية ما هي إلا خطابات رنانة تُطرب الآذان- ثم تذهب إلى وجهتها تتمطى. فمتى تصل الإنسانية إلي ارتواء بعد ظمأها الشديد؟!.
و متى يصل الإنسان إلى أبسط حقوقه بعد سنين عجاف؟!.
يحضرنى قول الشاعر عبد الوهاب المالكى :
مَتَى تَصِلُ العِطُاشُ إِلى ارْتِوَاء
ٍ إِذَا اسْتَقَتِ البِحَارُ مِنْ الرَّكَايَا؟!
وَمَنْ يُثْنِي الأَصَاغِرَ عَنْ مُرَادٍ
وَقَدْ جَلَسَ الأَكَابِرُ فِي الزَّوَايَا
وإِنَّ تَرَفُّعَ الوُضُعَاءِ يَوْمًا عَلَى
الرُّفَعَاءِ مِنْ أدهى الرَّزَايا
إِذَا اسْتَوَتْ الأَسَافِلُ والأَعَالِي
فَقَدْ طَابَتْ مُنَادَمَةُ الْمَنَايَا.
نعم طابت مُنادمة المنايا عندما لا تصل كإنسان لأبسط حقوق الحيوان ، تطيب مُنادمة المنايا عندما تنزع إنسانيتك؛ فيصبح الحيوان أكثر إنسانية منك. تطيب المنايا عندما يصبح تفكير الأُناسي كتفكير الأنعام بل أضل سبيلًا. تطيب منادمة المنايا عندما تتقلد دور البليد الساذج تجاه معاناة وآلام الآخرين .
يستمتع المتفرجون بالنظر إلى الإنسانية من بعيد كأنها خيال غريب وُضع نصب أعينهم، ولكن أبصارها أصابها العمى، وقلوبهم أصابها العمه فما عادت تجدى نفعًا. أعتقد أنهم لا يخالطون الإنسانية خوفًا من أصابتهم بعدوى التعاطف، أو ربما ذعرًا من الإصابة بمرض التفكير المزمن في حالها، فيبتعدون حتى يجرفهم التيار في خوض معارك النفاق؛ ليتنافسوا على المقاعد الأولى من المسرحيات الهزلية التى تقام على أرض الواقع، قبل جلوسهم على هذه المقاعد يقتلعون جذورهم، ولا يستثنون قلوبهم فيأخذونها معهم فتصبح كالصريم، ويلقون بهما بعيدًا عن الأنظار حتى لا تؤلمهم ضمائرهم في يومًا ما .
وتبقى الإنسانية تائهة ما بين أعماق البحار، وبين باطن الأرض؛ تلملم ندوبها العالقة بها، تمضي في طريقها وحيدة ثائرة فى وجه المنافقين، تتعرقل وتقاوم .تذبل ثم تتفتح ، حتي تسقط طريحة الفراش تنتظر الورى ليكفنوها، ويحملوها كما حملوها منذ عقود إلى مثواها الأخير.
لكنها ستظل كابوسًا يراودهم في كل لحظة يفزعهم من هجوعهم، و يخيفهم من رقودهم ، تمشى الإنسانية كظل مخيف وراء كل متخاذل عن الحق لربما يومًا ما ينصت إلى قرع أقدامها، أو يسمع حسيسها.






المزيد
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق
متاهة الحب