مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

هي خطّافة رجال ولا هو عينه زائغة؟

بقلم/ يحيى القطب 

ما إن تُعلن أخبار طلاق أو انفصال أو ارتباط أحد المشاهير، حتى تتحوّل القصة فورًا إلى محكمة مفتوحة. لا قاضٍ فيها، ولا ملف، ولا سماع دفاع، بل موجة تعاطف تبحث سريعًا عن ضحية ومذنب. واللافت أن الحكم غالبًا ما يُحسم قبل أن تُفهم الوقائع أصلًا.
السردية الشعبية جاهزة دائمًا:
إمّا امرأة خطّافة رجال،
أو رجل عينه زايغة.
ثنائية مريحة، سهلة، وتُغني الناس عن التفكير. فوجود مذنب واحد يطمئن الضمير الجمعي، ويُبقي الجميع في المنطقة الآمنة: نحن لسنا مثلهم.
لكن هذه الثنائية، رغم شيوعها، كاذبة في جوهرها.
في معظم هذه القصص، لا تكون المسألة فعلًا منفردًا، بل تفاعلًا معقّدًا. ومع ذلك، يصرّ الرأي العام على اختزال كل شيء في طرف واحد، لا لأنه الأكثر ذنبًا، بل لأنه الأسهل اتهامًا. فالمجتمع لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن رواية تُشبع تعاطفه.
وهنا تظهر ظاهرة أخطر: تمثيل دور الضحية.
من يُتقن هذا الدور، ومن ينجح في تقديم نفسه بصورة المنكسر أو المجروح، يكسب الحكم مسبقًا. لا يُسأل عمّا فعله، ولا عمّا ساهم به، بل يُكتفى بتألمه الظاهر. وفي المقابل، يُحمَّل الطرف الآخر كامل الوزر، حتى وإن كانت الوقائع أعقد من ذلك بكثير.
من الزاوية الدينية، المسألة أوضح مما يحب الناس الاعتراف به.
النفس أمّارة بالسوء عند الجميع، والفتنة لا تعمل من طرف واحد. لا شيطان كامل ولا ملاك كامل. هي لم تكبح دوافعها، وهو لم يكبح شهوته، فانساق كلٌّ للآخر. لا لأن أحدهما أُكره، بل لأن كليهما فتح بابًا ولم يُغلقه.
أما من زاوية علم النفس، فالجريمة لا تبدأ من حيث يظن الناس.
امرأة جميلة تُظهر جمالها، قد تفعل ذلك حبًا في الأناقة، أو لأن موقعها الاجتماعي يفرض عليها هذا الحضور، أو حتى لأنها ترى في الجمال رأسمالًا مشروعًا لتحقيق ما تريد. هذا في ذاته ليس جريمة.
ورجل ينظر إلى امرأة جميلة، قد لا ينظر بشهوة دنئة، بل بإعجاب فني، أو تقدير جمالي، أو مجرد انتباه فطري لما يبهج النفس. الدماغ البشري مبرمج على ملاحظة الجمال، وهذه حقيقة لا أخلاقية فيها.
الانهيار الحقيقي لا يحدث هنا، بل في لحظة الشرارة.
تلك اللحظة التي تبدأ بإشارات متبادلة، وتفسيرات داخلية، وتواطؤ صامت. هي ترى استجابة، وهو يرى إتاحة. كلٌّ يمنح الآخر إذنًا نفسيًا لا يُقال صراحة. وهنا لا يعود أحد ضحية كاملة، ولا أحد جلادًا خالصًا، بل طرفان ينساقان معًا، ثم يُلبس ما حدث لاحقًا ثوب “القدر”.
وسط هذا كله، هناك ضحايا لا يلتفت إليهم أحد.
الأبناء الذين لم يُستشاروا،
والأزواج الذين لم يُمنحوا حق الدفاع،
والأسر التي تدفع ثمنًا لم تختَر دفعه.
هؤلاء لا يملكون سردية جذابة، ولا منصة، ولا جمهورًا يتعاطف معهم، فيُمحَون من القصة كأن الضرر الذي لحق بهم تفصيل جانبي.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين القضاء ومحكمة الرأي العام.
القضاء — رغم عيوبه — لا يعمل بالتعاطف، بل بميزان الحق والدليل. نعم، قد يظلم أحيانًا لقصور الإثبات، وقد صدق القول: ياما في السجن مظاليم. لكنه، في عمومه، أعدل من جمهور يحكم بالدموع والانطباعات.
القاضي يقول: هذا ما ثبت لديّ.
أما الجمهور فيقول: هذا ما شعرتُ به… وانتهى.
والفرق بين العبارتين هو الفرق بين العدل والفوضى.
التعاطف في ذاته قيمة إنسانية نبيلة، لكنه حين يتحوّل إلى أداة حكم، يصبح خطرًا. التعاطف يصلح للمواساة، لا للإدانة. وحين يخلط الناس بين الأمرين، لا يُنصفون أحدًا، بل يدمّرون ما تبقى من عدل.
ختامًا…
في كثير من هذه القصص، لا ينتصر الحق، ولا يُدان المذنب الحقيقي،
بل تنتصر الرواية الأقدر على انتزاع الدموع.
وكلما أتقن أحدهم دور الضحية،
أُدين الآخر…
ولو كان بريئًا من نصف ما نُسب إليه.