بقلم / خالد محمد شعبان
السبب في عدم اقتناعي بجدوى العقاب في التعليم، وخاصة التعليم الديني وتعليم النشء، هو كونه عمليةً انتقامية في جوهرها، وليست تربوية؛ فالمعلم لا يلجأ إليه إلا ردًّا على خطأ الطالب أو نسيانه أو تقصيره. وقد رفع الله عن هذه الأمة المؤاخذة على الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه، ورفع عن الصغار كل تكليف حتى يبلغوا، فكيف نُحاسب الناشئ على تقصير لا يحاسبه الله عليه؟
إن تقصير الطالب ليس دليلًا على سوء النية، بل على وجود ظرف حال بينه وبين الالتزام، والأولى أن نبحث عن جذر المشكلة ونعالجه، عوضًا عن استسهال العقاب الذي ينم عن سوء الظن بالأطفال؛ فما من طفل يكره التعلّم بطبعه، لكنهم بلا شك يكرهون العقاب.
قد يقول قائل: سيتخذ الطلاب من هذا الكلام ذريعةً للتقصير كل مرة تحت حجة النسيان! وهذا بالضبط ما أعنيه بـ”الانتقامية”؛ فالعقاب يحوّل تركيز الطالب من تحصيل العلم إلى محاولة تجنّب الألم، فينصرف عن جوهر المعرفة إلى محاولة إرضاء المعلّم فحسب، وبذلك ينسى كل شيء بمجرد خروجه من الحصة.
لقد دخلتُ عددًا من دور تحفيظ القرآن، وكان الفارق الوحيد بين تلك التي تستخدم الضرب وتلك التي لا تفعل هو مقدار احترام الطلاب لكتاب الله؛ ففي الدور التي تضرب يقل الاحترام، ويكثر الشغب والحوارات الجانبية، أما في الدور التي تخلو من وسائل العقاب فترى الهدوء والخشوع، وكل طالب منكَبٌّ على مراجعته.
والسر في ذلك أن الأولى يفرضها الآباء على أبنائهم، فلا خيار لهم ولا وعي بأهمية المهمة، فيُجبر المعلم على استخدام العقاب ليحفظوا القرآن خوفًا منه، وهو ما يضطره مع الوقت إلى مضاعفة العقوبة؛ لأن الطلاب يعتادون القديمة ولا يعود لها تأثير فيهم. لقد غاب الهدف الحقيقي: زرع بذرة حب كتاب الله في القلب.
أما في الدور الثانية فكان الحضور طوعيًا نابعًا من إيمان بأهمية الحفظ ودوره في تطهير القلب ورفع الدرجة عند الله. هذا الوعي والحرية هما ما جعلا التزامهم يتنامى، وكان “العقاب” – إن جاز التعبير – هو اللوم بين الأحبة، أو في حال التمرد الطرد من المجلس، أي الحرمان من العلم. هكذا كان الأمر في مجالس العلماء قديمًا، حيث كان الطالب يسعى إلى العلم، والعلم لا يسعى إليه، بعكس ما نشهده اليوم من انقلاب للأمر في الدروس الخصوصية والمراكز.
قد تردّ: إذا طردتَ طالبًا اليوم بهذا الشكل سيفرح! وهنا تكمن كارثة العقاب الحقيقية: لقد تحولت دور التعليم في عالمنا إلى ما يشبه المؤسسات العقابية، حتى صار الطرد يُعتبر منحةً لا عقوبة، وكثرت حوادث الهروب من المدارس. كيف يصل الأمر بطالب إلى الهروب من مكان تعليمه؟ لا يحدث هذا إلا إذا كان يراه سجنًا لا فصل دراسة.
قد يزعم البعض أن إلغاء العقاب سيجعل الأطفال بلا تعليم، وأردّ بأن صحابة رسول الله ﷺ فتحوا الدنيا وأناروا العالم، ولم يكن لديهم نظام تعليمي بالمعنى الحديث؛ كل منهم تعلّم من النبي، ومن قومه، ومن تجارب الحياة، بينما نجد اليوم أن كثيرًا من خريجي الجامعات هم أكثر روّاد المقاهي والملاهي! لم يكن بين الصحابة جاهل، لأنهم جميعًا اتبعوا المنهج الصحيح: الإيمان والتجربة.
الإيمان بأهمية العلم وتطوير الذات، والتجربة التي يُميّز بها المرء بين النافع والضار؛ كل العلوم قامت على هذين الركيزتين. كل من غيّروا وجه الأرض لم يُجبرهم أحد على التعلّم؛ لذلك لم يكن بين طلاب النبي محمد ﷺ راسب، لأن التعليم لم يكن سباقًا على الدرجات، بل رغبة إنسانية خالصة نابعة من إيمان خالص.
أما إذا فشلنا في غرس الإيمان ومنعنا حرية التجربة، فإننا نصل إلى ما نشهده اليوم: مؤسسات تقمع الخيال، وتستبدل الإيمان بالإكراه، وتحول التعليم إلى “تعليب”، والامتحانات إلى مسابقات يمكن الفوز فيها بالغش. ولهذا نجد قلة قليلة من خريجيها ناجحين نجاحًا حقيقيًا، أما الباقون فإما غشاشون أو فاشلون. لماذا يغش الطالب إذا كان يريد أن يختبر نفسه حقًا؟ التعليم ليس منافسة نتهم فيها الطالب بالفشل حتى يثبت العكس، بل هو طريق لرفع مستوى الجميع.
لقد كانت التجربة هي الامتحان العملي الحقيقي الذي يقيس الطالب من خلاله تقدّمه، أما امتحانات اليوم فهي نظام عقيم لتقييم مزيّف، يحوّل العملية المعقّدة للتعلّم إلى أرقام وإحصاءات كاذبة، تخدم المؤسسات البيروقراطية وتُهمل الطالب، فتصيّره سلعة لخدمة السوق. أنظمة التعليم الحديثة صُممت بعد الثورة الصناعية لخدمة الأسواق، لا لإخراج النوابغ. ولننظر: كم من العلماء والمبتكرين تركوا التعليم المنهجي ولم “يشردوا”، بل صنعوا مستقبلًا مختلفًا!
هذا هو التهديد المجتمعي الذي تستخدمه “عصابة التعليم الممنهج”: تخويف الأهل بأن الطفل سيفقد مستقبله، وهي أوهام؛ فأنا – ككثيرين – أنهيت جميع مراحل التعليم الأساسي وتخرجت دون مهارات تُذكر، ونسيت معظم ما حفظت، إلا ما جرّبته على أرض الواقع.
وهنا تكمن مشكلتي مع “التعليم المنظّم”: إنه خدعة كبيرة؛ تعليم مُعلّب يطلب من الطالب ترك كل شيء في حياته والتركيز على شيء واحد، فترى شبابًا في ريعان الفتوة تنهش أجسادهم الأمراض، أو تنتهي حياتهم بسبب درجة سخيفة! لقد نسينا أن واضعي هذه الأنظمة بشر، ومديريها بشر، وصرنا نعاقب الطالب على تقصيره في حفظ كتاب كتبه موظف، وشرحه موظف، في مؤسسة يديرها أحد الأغنياء. لا الطالب يعرف لماذا يحفظ، ولا المعلم يعرف لماذا يشرح! المهم أن يحصل صاحب المؤسسة على أرباحه؛ لذلك نرى بعض المدارس تُشهّر بطلاب لم يدفعوا المصاريف، كأنها تعاقب الطفل على فقر أبويه!
إن كل هذا الغثاء، كغثاء السيل، سيمر به الزمان، لكني أناشد كل معلم أن يستغل وقفته أمام التلاميذ، ويدرك عِظم المهمة التي بين يديه؛ عليه أن يسعى – مهما كانت الظروف – لزرع بذور الإيمان، واحترام العلم، وحب التجربة، والتعلّم من الفشل، فأنظمة “التعليب” قد علمتهم احتقار العلم والخوف من الفشل.
بهذه الطريقة وحدها يمكن لأجيال المستقبل أن تجد علاجًا للجفاف العلمي والأدبي والروحي الذي نعانيه. نحن نعيش منذ زمن طويل مجاعة في الأخلاق والعلوم والآداب، ولن يكون العقاب – أبدًا – سبيلًا للتقدّم؛ فالعقاب للمجرمين، أما إذا لم تكن للطالب رغبة في التعلّم، فما قيمة المعلم حينها؟ وما معنى التعليم؟






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق