مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

هكذا وُلد الفن

كتبت أمينه خليل:

 

منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، وهو يحمل في داخله مشاعر لا حصر لها؛ حب، خوف، أمل، قلق، دهشة، حنين… مشاعر تتزاحم في صدره ولا يجد دائمًا اللغة الكافية للتعبير عنها. ولأن الكلمات وحدها قد تعجز أحيانًا عن حمل هذا الثقل، وُلد الفن كجسرٍ يربط بين الداخل العميق للإنسان والعالم الخارجي.

 

فالموسيقي، حين يعجز عن البوح، يترك أنامله تنسج ألحانًا تُترجم ما يختلج في قلبه، فتأتي النوتة الموسيقية صرخةً أو تنهيدة أو همسًا رقيقًا. والرسام، حين تضيق به العبارة، يسكب ألوانه على اللوحة لتصبح ضربات الفرشاة لغةً أخرى، لغةً تُحكي ما يعجز اللسان عن قوله. أما الكاتب، فيختبئ خلف شخصياته، يضع على ألسنتهم كلماته المكنونة، ويفتح من خلالهم أبوابًا لأسراره ووجدانه.

 

ربما لهذا، لم يكن الفن يومًا ترفًا، بل ضرورة وجودية. فهو المتنفس الذي يُخفف ثقل المشاعر، وهو المرآة التي تعكس أعماق النفس، وهو الشاهد على أن الإنسان كائن يبحث دومًا عن معنى. ولعلنا نستطيع القول إن الفن هو اللغة العالمية التي وُلدت حين ضاقت بنا لغاتنا، لغة تُفهم بالقلب قبل أن تُفهم بالعقل.

 

وهكذا، كل لوحة، كل قصيدة، كل لحن، ما هي إلا محاولة لإنقاذ الروح من صمتها. وربما في هذه المحاولات تكمن عظمة الفن، وفيها أيضًا يكمن سره الذي لا ينتهي.

 

ونحن حين نستمع لمقطوعة موسيقية في لحظة حزن فتنهمر دموعنا، أو نتأمل لوحة فنشعر بالسكينة، أو نقرأ رواية فنجد أنفسنا بين سطورها، ندرك أن الفن لم يولد فقط من أجل الفنان، بل من أجلنا جميعًا. إنه يرافقنا في صمتنا، يخفف من آلامنا، ويُعيد ترتيب بعثرة قلوبنا.

إنه دليلٌ حيّ على أن الإنسان، مهما اختلفت لغاته وثقافاته، يظل واحدًا في حاجته إلى التعبير، وفي توقه لأن يجد في الجمال عزاءً وسلامًا داخليًا.