حين واجهتُ المرآة بلا أقنعة بقلم هانى الميهى
حين تجرّدتُ من كل ما كنتُ أرتديه من أوهامٍ وأقنعة، وقفتُ أمام المرآة، تلك القطعة الزجاجية البسيطة التي لم أخشَها يومًا، لكنها في تلك اللحظة بدت كأنها ساحة محاكمةٍ لا تنحاز. لم ترحمني ملامحي، ولم أجد فيها سوى انعكاسٍ لصورةٍ لم أستعد لرؤيتها. كم هو صعب أن يلتقي المرء بنفسه عاريًا من التبريرات، مكشوفًا بلا ألوان تجميل ولا ضباب أعذار.
كنتُ أظن أنني أعرفني. أعددتُ في مخيلتي سردياتٍ كثيرة عن “من أكون”، وصنعتُ لنفسي بطولاتٍ صغيرة أضعها على رفّ الذاكرة، أُزيّن بها ضعفي، وأغطي بها عثرتي. لكن المرآة في تلك اللحظة كشفت هشاشة تلك الحكايات. لم أرَ فيها الشجاعة التي تغنيتُ بها، ولا القوة التي ادّعيتها، بل رأيت إنسانًا مرهقًا، متعبًا من الركض خلف صورٍ أراد أن يصدّقها أكثر مما هي موجودة.
المرآة لم تفضح تجاعيد الوجه بقدر ما كشفت تجاعيد الروح. بدا داخلي مُنهكًا كمدينةٍ استنزفتها الحروب، أزقتها مليئة بالغبار، وبيوتها خالية من ساكنيها. كأنني لم أعش، بل كنتُ مجرد ظلٍّ يتنقل بين محطات الآخرين، يبتسم حين يبتسمون، ويحزن حين يُطلب منه الحزن.
لحظة الصدق الأولى مع النفس قاسية، تُشبه صرير بابٍ قديم يُفتح على غرفةٍ أُغلقت سنوات. ترى فيها كل ما هربت منه: مخاوف لم تُسمَّ، أخطاء لم تُغفر، رغبات خُبئت كأسرارٍ محرمة. المرآة لم تكتفِ بفضحها، بل جعلتها تُحاصرني كأنها تسأل: “أهذا أنت حقًا؟ أهذا هو الذي ظل يتحدث عن الحرية والكرامة واليقين؟”
لم يكن السؤال صريحًا، لكنه ارتسم على ملامحي وكأنها تعاتبني. وجدتُني عاجزًا عن الإجابة، فالصورة أمامي لم تقبل مراوغة. في تلك اللحظة أدركت أن أصعب مواجهة ليست مع العالم، بل مع ذلك الكائن الذي يسكنك. العالم قد تُخدعه، قد تخفي عنه ضعفك، أما نفسك فلا ترحمك إذا حانت ساعة المواجهة.
خرجتُ من أمام المرآة وأنا أعلم أنني لم أعد كما كنت. لم تكن مواجهةً عابرة، بل كانت بداية انكشاف. بدأت أرى وجهي لا كقناعٍ يُقدَّم للناس، بل كحكايةٍ لم تكتمل بعد، وعليّ أن أختار: إما أن أظل أسير صورٍ صنعتها لأرضي الآخرين، أو أتحمل مسؤولية أن أكون كما أنا، بضعفي وقوتي معًا.






المزيد
فقدت روحي بقلم آلاء حجازي
ماذا لو كانت نهاية ديسمبر لقاء؟ بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
بين الأفضل والأنسب الكاتب هانى الميهى