كتبت: ريم رمضان السلوت
في الحرب… حين يصبح الماء شحيحًا، والكهرباء حلمًا مؤجلًا، ومواد التنظيف غالية وشحيحة، يتجلى أمام المرأة الغزية تحدٍ جديد: الحفاظ على النظافة.
فالنساء في غزة يخضن يوميًا معركة صامتة من أجل الحفاظ على النظافة. غسيل الأيدي، الاستحمام، ونظافة الملابس والمكان باتت شبه مستحيلة، لكنها ضرورة لا غنى عنها للوقاية من الأمراض.
غسل الأيدي… رفاهية غائبة
في كثير من البيوت المتبقية، صنابير المياه لا تعمل، ومنهم من نزح إلى خيام تاركًا منزله بأمر من جيش الاحتلال، والكثير لا يملك بيتًا أصلاً؛ فهذا هُدم وذاك أُحرق، ولا بدائل.
فتلجأ النساء إلى استخدام زجاجات الماء المثقوبة لغسل الأيدي، في مشهد مؤلم، وكذلك تُغسل الأواني بقطرات من تلك الزجاجات، وسط انقطاع المياه لأيامٍ متواصلة، مما يزيد قساوة الحال.
انقطاع الكهرباء: لا ماء، لا سخان
• غياب الكهرباء عطّل كل شيء. توقفت مضخات المياه عن العمل، فالبنية التحتية مدمرة، ولا خطوط مياه فعالة. المواطن يضطر لحمل دِلاء الماء لمسافات طويلة ليملأ خزانه، متحملًا الطرق الوعرة والأعباء الجسدية.
• لا سخانات لتسخين الماء، فيلجأ الناس إلى النار، يوقدون ما تبقى من ممتلكاتهم أو ملابسهم، في ظل شح الحطب وغلاء الأسعار.
منذ السابع من أكتوبر 2023، وسكت صوت الغسالة في غزة. تحوّلت إلى قطعة ديكور في المنازل. عادت النساء إلى الغسيل اليدوي، بينما تتقدم نساء العالم في سُبل الراحة.
أما هنا، فهن يُجبرن على العودة للوراء، دون ماء كافٍ، ولا مساحيق تنظيف، ولا حتى وقت… فكل لحظة هدوء قد تتحول إلى دماء بفعل طائرات الاحتلال الغادرة.
وجع الغسيل… وجع الحرب
فرك الملابس يدويًا يومًا بعد يوم تسبب في آلام بالأيدي والمفاصل والظهر، في وقت تندر فيه الأدوية وتغيب المسكنات.
تقول أم أحمد:
“والله كتفي واقف، مش قادرة أحركه، وكل عظمة من عظامي بتشهد بالوجع. حاسة حالي مفتفتة من التعب، وظهري مش حاسة فيه من قعدة الغسيل. مش بكفينا وجع الحرب وقلوبنا الدايبة، فوقهم وجع هالغسيل وقلة الميا. والله كل الدنيا تكالبت علينا، ولا حدا حاسس. من قلة الميا بنستخدمها لأكتر من غرض: مية الاستحمام بنغسل فيها الأواعي، ومية الغسيل بنشطف فيها الأرض. كل قطرة محسوبة، والنظافة ضرورية حتى لو بقطرات… لازم أشوف المكان نظيف. الله على الظالم، الله ينتقم لنا.”
الطشت… رمز واقع لا يُحتمل
في ظل هذه الحرب الضروس، يصبح “الطشت” أداة ورمزًا جديدًا من رموز الواقع الموجع.
كل شخص في غزة الجريحة يقاوم بطريقته، وبأبسط ما تبقى بين يديه…
زجاجة ماء مثقوبة، طشت غسيل، يد متعبة، ظهر موجوع.
النساء هنا موجوعات، مُتعبات، لا يبحثن عن بطولة، فقط يقمن بما يجب ليبقين على قيد الحياة.
كل طشت غسيل، كل قطرة ماء، كل وجع في الظهر والمفاصل، هو صرخة خفية في وجه هذا العالم الأعمى.
لسنا رموزًا… نحن بشر.
نغسل وجعنا بوجع، ونعيش رغم كل شيء.
بصمت، بتعب، بقطرات محسوبة… فقط لنُبقي ما تبقى منا حيًا.






المزيد
دوائر القدر : للكاتبة:سعاد الصادق
حب يملأ الدنيا
عالم جزئي