المُحرر: التومة بابكر الصديق حمد
في زمنٍ تتسارع فيه الخطى وتضيع الأصوات بين ضجيج العابرين، يبقى بعض الكتّاب كنجومٍ تهدي الباحثين عن المعنى في عتمة الفكر. من بين هؤلاء يبرز يحيى القطب، الكاتب الذي اختار أن يجعل من الحرف رسالة، ومن الوعي طريقًا، ومن الحقيقة وطنًا لا يُغادره مهما تبدّلت الأزمنة.
يكتب لا ليُثير الإعجاب، بل ليوقظ الإنسان من سباته، ويُذكّره بأن الكلمة موقف، وأن الأدب إن لم يحمل رسالة فهو مجرد صدى.
بين الفكرة والعقيدة، بين الخيال والعقل، يشق يحيى القطب طريقه بثبات، حاملاً قلمه كسراجٍ في ليلٍ طويل، ومؤمنًا أن الكتابة ليست ترفًا فكريًا، بل شهادة تُقال دفاعًا عن الحقيقة.
وفي هذا الحوار الذي جمعنا به، تحدّث إلينا بصراحة الباحث، وهدوء المؤمن، وعمق المفكر.
كان لقاءً يفيض بالصدق، ويمنح القارئ فرصةً نادرة للتأمل في معنى الكتابة ودورها في بناء الوعي.
فإلى تفاصيل هذا الحوار الذي حمل بين سطوره نبض الفكر وضياء الحرف مع الكاتب يحيى القطب…
بدايةً، من هو يحيى القطب كما يراه القارئ، وكما يراه هو في مرآة ذاته؟ حدّثنا عن الإنسان الذي يختبئ خلف الحروف، قبل أن نتحدث عن الكاتب الذي يصنعها.
-أنا في الحقيقة مجرد إنسان يبحث عن الحقيقة وسط ضجيج الحياة.
يمكن أن يرى القارئ في كتابتي بحثًا عن المعنى، وربما يظن أنني أكتب من مسافة فكرية، لكنّي في الواقع أحاول أن أضع روحي في كل حرف.
كيف كانت ولادتك الأولى في عالَم الكتابة؟ هل جاءت صدفةً كهمسةٍ عابرة، أم كانت نداءً داخليًّا لم تستطع تجاهله؟ صف لنا تلك اللحظة التي أدركتَ فيها أن القلم امتداد لروحك.
-الحقيقة أنا من صغري شغوف بالكتابة لكن نقدر نقول إن البذرة الاولى كانت عام 98
كانت محاولتي الاولى اني اعمل كتاب
حتى لا أزال محتفظ به
في رحلتك مع الحرف، ما الذي كان الدافع الحقيقي وراء الاستمرار؟ هل هو الشغف، أم الألم، أم حاجة الروح لأن تترك أثرًا يُشبهها في هذا العالم المزدحم بالنسيان؟
-الشغف
يقال إن لكل كاتب نَغمة خاصة تميّز نصوصه عن سواه، نغمة تنتمي إلى أعماقه أكثر مما تنتمي إلى لغته. كيف تصف النغمة التي تتحدث بها كتاباتك؟ وما العناصر التي ترى أنها تُشكّل بصمتك الأدبية؟
-الحقيقة أنا أرى لغتي تنتمي إلى الصدق
أحيانا كتابتي تميل للعقلانية و أحيانا تكون الجمل مشبعة بالعاطفة
لكن الصفة الأساسية أو العامل المشترك اني اكتب بصدق
اكتب حتى اصف ما أفهمه واعلمه جيدا
الإلهام… كلمة طالما ترددت في أحاديث الكتّاب، لكنها تبقى سرًّا غامضًا. من أين يأتيك الإلهام؟ وهل تؤمن أنه يُمكن استدعاؤه، أم أنه لا يأتي إلا حين يشاء؟
-الحقيقة أن لا أؤمن بكلمة الإلهام بمعناها الشائع … لكني مؤمن أن الله سبحانه يفتح على الإنسان بفكرة وهذا بمثابة إذن له بالتحرك والمبادرة والاعلان والافصاح عنها …
الفكرة حين تأتي ليست صدفة ولا عبقرية، بل رسالة صغيرة تحتاج إلى من يصغي إليها بصدق، ومن يترجمها بالفعل والعمل.
لذلك، حين أشعر بوميض فكرة جديدة، أتعامل معها لا كهدية عابرة، بل كأمانة تستحق أن تُكتب وتُقدَّم كما أرادها الله أن تكون.
كل كاتب محطات ألم وفرح، نجاح وانكسار… كيف انعكست تجاربك الشخصية على كتاباتك؟ وهل ترى أن الحزن أكثر قدرة على تفجير الإبداع من الفرح؟
-لا الحقيقة!
كتاباتي ليست انعكاسًا لتجاربي الشخصية، بل ثمرة بنيت على منهج ورسالة.
لا أكتب لأعبّر عن حزني أو فرحي، بل لأقدّم رؤية وأثير السؤال وأهدم الوهم.
الكاتب في نظري لا يُقاد بعاطفته، بل يقودها هو نحو المعنى والغاية.
إذا عدنا إلى البدايات، من هم الكتّاب الذين تركوا بصمتهم فيك؟ وهل وجدت في أعمال أحدهم مرآةً تشبهك؟
-تأثرت بثلاثة أسماء تركت أثرًا عميقًا في رؤيتي للكتابة:
تولكين، الذي علّمني كيف يُبنى العالم من العدم وتُنفخ الروح في الأسطورة،
وأحمد خالد توفيق، الذي أضاء لي دروب الخيال الواقعي وربط الأدب بالإنسان،
وأحمد خالد مصطفى، الذي منحني الجرأة على مساءلة المسلّمات والغوص في الماورائيات.
ربما لا أجد نفسي نسخة من أحدهم، لكنهم جميعًا شكّلوا بعض المرايا التي انعكست فيها بداياتي.
الأدب اليوم يعيش بين التحوّل والاضطراب، بين الكلمة الورقية وصوت العالم الرقمي. كيف تنظر إلى هذا المشهد؟ وهل تخشى أن تضيع قداسة الحرف في زحمة السرعة والتقنيات؟
-لا أخشى على الحرف من الزوال، لأن جوهره لا يتبدّل مهما تغيّرت الوسائط.
المشكلة ليست في التقنية، بل في الإنسان الذي يستخدمها.
الكلمة الورقية كانت تحتاج صبرًا ووعيًا، أما اليوم فقد صارت الكتابة أشبه بومضة… سريعة، لكنها أحيانًا بلا عمق.
ومع ذلك، أؤمن أن الصدق في التعبير سيظلّ يفرض نفسه، سواء كُتب على ورق أو نُطق في فضاء رقمي.
فالعالم يتغيّر، لكن من يكتب ليبني معنى لا يخشى التحوّل، بل يقوده.
في رأيك، ما الذي يجعل الكاتب الحقيقي مختلفًا عن سائر من يكتبون؟ هل الموهبة وحدها تكفي، أم أن التجربة والقراءة والوعي هي ما تصنع الكاتب؟
-الحقيقة أني لا أؤمن بالموهبة أصلًا، لأنها كلمة تُستخدم كثيرًا لتبرير الكسل أو لتفسير النجاح دون فهم أسبابه.
الكاتب الحقيقي لا يُولد بقدرة خارقة، بل يصنع نفسه عبر القراءة العميقة، والملاحظة الدقيقة، والوعي بالحياة.
الكتابة ليست “إلهامًا” ولا “موهبة”، بل تجربة عقلية وروحية تتكوّن من المعرفة والصدق والاجتهاد.
ومن هنا، لا أرى الكاتب المختلف إلا ذاك الذي يعرف لماذا يكتب، ولمن، وبأي وعي.
كيف تتعامل مع النقد، حين يأتي قاسيًا؟ هل تتلقاه بروح المتعلم أم بشجن المبدع الذي يرى أن نصَّه جزء من ذاته؟
-يعتمد الأمر على توجّه الناقد وطبيعة نقده.
فأنا عادةً أدافع أولًا عن وجهة نظري، لأنني أفكّر مليًا قبل أن أكتب، ولا أضع حرفًا دون قصد أو وعي.
ومع ذلك، إن وجدت في النقد وجه حق، لا أجد حرجًا في أن أتعلم منه.
فالكاتب الواعي هو الذي يقبل المراجعة دون أن يفقد يقينه.
لو أُتيح لك أن تكتب سطرًا واحدًا فقط، يكون آخر ما يقرأه الناس لك… ماذا ستكتب؟
-لا إله الا الله
عن اقتناع و يقين ورضا
ما الرسالة الأعمق التي تحاول إيصالها من خلال أعمالك؟ وما القضية التي تؤمن أن الأدب يجب أن يظل وفيًّا لها مهما تغيّرت الأزمان؟
-أنا رسالتي تتلخص في إيقاظ الوعي، ورأيي إن الأدب جعل لأجل ذلك وهذا دوره الأسمى
لذلك يجب على الكاتب أن يكونا وفيا للحقيقة ، لذلك فأنا أكتب لأنشر وعياً، لا لأُرضي، وأرى أن دور الأدب أن يبقى مرتبطًا بالقيم الكبرى: الحق، والعدل، والمعنى.
حدثنا عن أعمالك الكتابية جَمُها، ما طموحاتك القادمة؟ هل هناك عمل جديد يُختمر في قلبك وتتهيأ لإطلاقه إلى النور؟
-في روايتي «شهادة الآلة» و«الرسائل السبع» تناولت المستقبل وما بعد التاريخ، حيث حاولت أن أستكشف المصير الإنساني في زمن سيطرة التقنية وضياع المعنى.
ثم أعددت بحثًا دينيًا بعنوان «الدجال وفتنته»، أسأل الله أن ينفع به كل من يقرأه ويجعله حرزًا له من الفتن.
أما الآن، فأعمل على رواية جديدة بعنوان «نلازة برقوس»، تدور أحداثها في الماضي السحيق، ما قبل التاريخ نفسه.
أرى أن مشروعي في الكتابة هو رحلة بين الأزمنة، أبحث فيها عن حقيقة الإنسان ومعنى وجوده، بين ما كان وما سيكون.
كلمة أخيرة تختم بها هذا اللقاء، توجّهها إلى القرّاء وإلى كل من يسير في طريق الحرف بحثًا عن ذاته.
-كلمتي لكل قارئ ولكل من يسير في طريق الحرف:
لا تنتظر الظروف المثالية لتبدأ، ولا تظن أن الإلهام سيأتيك محمولًا على الأجنحة. ابدأ بما تملك، واكتب بصدق، لأن الحرف الصادق لا يموت.
قد تتعثّر، لكنك إن صدقت في نيتك، فالله سيفتح لك الطريق.
الكتابة ليست ترفًا، بل شهادة… وشهادتي أن الحقيقة تستحق أن تُروى، مهما كلف الثمن.
وأخيرًا، كيف ترى مجلة إيفرست الأدبية ودور نبض القمة في احتضان المبدعين وإبراز أصواتهم في المشهد الأدبي العربي؟
-أرى أن مجلة إيفرست الأدبية ودار نبض القمة تقومان بدور حقيقي ومهم في وقتٍ تراجع فيه الاهتمام بالمبدعين الشباب.
لا تكتفيان بالنشر، بل تمنحان الكاتب مساحة ليُعبّر عن ذاته ويجد من يسمعه.
في رأيي، المؤسسات الأدبية الحقيقية هي التي تؤمن بالكاتب قبل أن تؤمن بالمبيعات، وتمنح الكلمة وزنها الإنساني لا التجاري.
وأنا ممتن لكل جهد يُبذل لاحتضان الإبداع العربي وإيصال صوته إلى القارئ بصدق واحترام.
في ختام هذا اللقاء الجميل، لا يسعنا إلا أن نتقدّم بخالص الشكر والتقدير للكاتب القدير يحي القطب على هذا الحضور العميق، والبوح الذي حمل بين طيّاته الكثير من النور والفكر والجمال.
كانت كلماتكم رحلة بين الحرف والروح، نرجو أن تمتدّ آثارها إلى كل قارئٍ يبحث عن صدق المعنى وجمال الكلمة.
-شكرا لحضرتك وشكرا لمجلة إيڤرست ودار نبض القمة
شكرا جزيلاً






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب