مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من سكون الأشهر الحرم إلى عظيم الحج ‏بقلم سميرة السوهاجي 

من سكون الأشهر الحرم إلى عظيم الحج 

‏بقلم: سميرة السوهاجي 

‏في الأشهر الحُرُم، تهدأ ضوضاء الدنيا في قلب المؤمن، كأن الزمن نفسه يُخفض صوته ليُفسح المجال لنداء الروح. هي أيامٌ اصطفاها الله، فجعلها محطاتٍ للنقاء، تُغسل فيها النوايا، وتُراجع فيها الخطى، ويُعاد فيها ترتيب القلب على جهة السماء.

‏فيها لا يكون الصلاح خيارًا عابرًا، بل ضرورةٌ تُذكّر الإنسان بضعفه وقربه من ربّه؛ فالأجر فيها أعظم، والذنب فيها أثقل، وكأن الميزان يُصبح أكثر حساسية، يلتقط أدقّ الهمسات وأخفّ الأعمال. هنا، تتجلّى قيمة الطاعة في أبسط صورها: كلمة طيبة، صدقة خفية، ركعة في جوف الليل، أو دمعة صادقة لا يراها إلا الله.

‏الأشهر الحُرُم ليست مجرد زمنٍ يمر، بل رسالةٌ تتكرر كل عام: أن عُد، مهما ابتعدت، وأن باب القرب لا يُغلق، وأن الطريق إلى الله لا يحتاج إلا قلبًا صادقًا وخطوةً مخلصة. فيها تُربّى النفس على ترك الظلم، وكفّ الأذى، وحفظ الجوارح، كأنها دورة إيمانية تُعيد للإنسان إنسانيته.

‏ثم يأتي الحج، لا كخاتمةٍ عابرة، بل كذروة الرحلة وأعظم النداءات؛ حيث تتلاشى الفوارق، وتُطوى المسافات، وتقف القلوب قبل الأجساد على عتبات القرب. هناك، يُولد الإنسان من جديد، وكأن كل خطوةٍ بين المشاعر تُعيد كتابة روحه، وكل تكبيرةٍ تمحو أثر ما مضى.

‏الحج ليس طريقًا يُسلك، بل اصطفاءٌ يُمنح، ونداءٌ لا يسمعه إلا من اشتاق بصدق. هو وعدٌ بالغفران، وموسمٌ تتنزّل فيه الرحمات حتى تضيق بها القلوب من فرط سعتها. فيه يخلع العبد عن نفسه أثقال الدنيا، ويقف مجردًا إلا من ضعفه ورجائه، فيغمره الله بفيضٍ من رحمته لا يُقاس.

‏فهنيئًا لمن بلغه، وهنيئًا لمن صدق النية إليه، فإن الحج ليس ختام عمل، بل بداية عمرٍ جديد يُكتب بنور الطاعة.