مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى

من أين تُقاد؟
كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر
الكاتب هانى الميهى
الفصل السادس: الهروب الذي يبدو طبيعيًا
في هذا العصر،
أصبح الهروب ذكيًا جدًا…
لدرجة أن كثيرًا من الناس
لم يعودوا يشعرون أنهم يهربون أصلًا.
لم يعد الإنسان بحاجة
إلى السفر بعيدًا،
أو الاختفاء عن العالم،
حتى يهرب من نفسه.
يكفي فقط
أن يبقى مشغولًا طوال الوقت.
الهاتف،
العمل،
الضحك،
السهر،
الكلام الكثير،
العلاقات السريعة،
التصفح بلا هدف…
كلها أشياء تبدو طبيعية جدًا،
لكن بعضها أحيانًا
ليس حياة،
بل محاولة مستمرة
ألا نشعر بما بداخلنا.
بعض الناس
لا يخافون الوحدة فعلًا،
هم فقط يخافون
ما قد يسمعونه من أنفسهم
حين يهدأ كل شيء.
ولهذا،
صار الصمت ثقيلًا على كثيرين.
مجرد دقائق قليلة
دون إشعارات،
أو أصوات،
أو انشغال،
كفيلة أن تجعل الإنسان
يشعر بقلق غامض
لا يفهمه.
في الماضي،
كان الإنسان يتعب من العمل،
ثم يعود ليستريح.
أما الآن،
فكثيرون يرهقون أنفسهم عمدًا،
حتى لا يتركوا لعقولهم
فرصة للتفكير.
هناك من يعمل كثيرًا
لأنه طموح فعلًا،
وهناك من يعمل كثيرًا
لأن التوقف
يعني مواجهة أشياء
حاول الهروب منها طويلًا.
أشياء مثل:
الفراغ،
والخوف،
والوحدة،
والخذلان،
والأسئلة المؤجلة منذ سنوات.
ولهذا،
ترى البعض
ينتقل من شيء إلى شيء بسرعة مخيفة.
علاقة جديدة،
هدف جديد،
مكان جديد،
اهتمام جديد…
كأن المشكلة دائمًا
في الخارج،
بينما الحقيقة
أن التعب يسافر معهم أينما ذهبوا.
الإنسان لا يهرب دائمًا
لأنه ضعيف،
بل أحيانًا
لأنه استنزف طاقته بالكامل،
ولم يعد يملك قدرة حقيقية
على المواجهة.
لكن المشكلة،
أن الهروب الطويل
لا يُنهي الألم،
بل يؤجله فقط.
وكل ما نهرب منه
يظل واقفًا داخلنا،
ينتظر لحظة هدوء واحدة
ليعود من جديد.
لهذا،
هناك أشخاص
يضحكون كثيرًا،
لكن أرواحهم متعبة جدًا.
وأشخاص
يبدون ناجحين ومنشغلين طوال الوقت،
بينما هم في الحقيقة
يحاولون فقط
ألا ينهاروا.
العالم الحديث
أعطانا آلاف الطرق
لننشغل،
لكنه سرق منا شيئًا خطيرًا جدًا:
القدرة على الجلوس مع أنفسنا بسلام.
حتى الحزن،
لم نعد نعيشه كما ينبغي.
بمجرد أن نشعر بالألم،
نهرب فورًا إلى الهاتف،
أو الحديث،
أو الضوضاء،
أو أي شيء يشتت القلب
قبل أن يفكر.
وكأن الإنسان اليوم
لا يريد أن يشعر،
ولا يريد أن يتوقف،
ولا يريد أن يواجه.
فقط…
يريد أن يكمل اليوم بأقل خسائر ممكنة.
لكن الحقيقة التي نحاول تجاهلها دائمًا،
أن الإنسان لا يشفى
مما يهرب منه.
بل ربما
يصبح أكثر تعبًا مع الوقت،
لأن الأشياء المؤجلة داخلنا
لا تموت،
هي فقط
تنتظر اللحظة المناسبة
لتعود بصورة أثقل.
ولهذا،
فإن الشجاعة الحقيقية
ليست أن تتحمل العالم طوال الوقت،
بل أن تملك القدرة أحيانًا
على التوقف…
والنظر إلى نفسك بصدق.
أن تعترف بتعبك،
وخوفك،
وفراغك،
بدل أن تقضي عمرك كله
تركض هربًا منهم.
فبعض الناس
لم تستهلكهم الحياة فعلًا،
بل استهلكهم
الهروب المستمر منها.
رسالة الفصل:
ليس كل انشغال حياة… أحيانًا يكون مجرد وسيلة أنيقة للهروب من أنفسنا.
تمهيد الفصل القادم:
لكن أخطر ما يفعله الهروب بالإنسان…
أنه يجعله مع الوقت
غريبًا حتى عن نفسه.