كتب: بلال أبو سلطان
في قطاعٍ أنهكه القصف والحصار، لم يعد هناك شيء اسمه “آمن”. لا بيت، لا مدرسة، لا كنيسة، ولا حتى مستشفى. الليلة، كانت الضربة على ما تبقى من نبض، على ما تبقى من أمل للناجين والجرحى… مستشفى المعمداني.
عند ساعات المساء، تلقّت إدارة مستشفى المعمداني في حي الزيتون بمدينة غزة، تحذيرًا مباشرًا بضرورة إخلاء المبنى فورًا. تحذير بدا في ظاهره “فرصة للنجاة”، لكنه في الحقيقة كان إعلانًا مسبقًا لمجزرة من نوع آخر.
في مشهدٍ مأساوي يفوق الوصف، بدأت الطواقم الطبية، برفقة عشرات المتطوعين، في تنفيذ عملية إخلاء سريعة للمرضى والمصابين، من بينهم حالات حرجة، أطفال حديثو الولادة، ومسنون لا يقوون على الحركة. حمل الأطباء والمرضى على أكتافهم، تكدّست عربات الإسعاف، وسُحبت الأسرة على عجل في الشوارع المظلمة، وسط أصوات الطائرات وأزيز القصف المتواصل على مناطق متفرقة.
ورغم النجاح في إخلاء مبنى المستشفى قبل استهدافه، فإن العدوان لم ينتظر اكتمال لحظة الأمان. القصف لاحق المرضى في الشوارع، عند أبواب المستشفى، وفي محيطه. استشهد عدد كبير من الجرحى الذين لم يتحملوا عناء النقل أو توفّوا نتيجة استهداف مباشر لمناطق قريبة، فيما أصيب آخرون خلال الفوضى التي رافقت الإجلاء. مشاهد مروّعة لمرضى تُركوا ينزفون على الطرقات، وأطباء عاجزين عن فعل شيء، سوى الصراخ في وجه عالم لا يسمع.
وفي سياق متصل، استُهدفت سيارة تابعة لقناة الجزيرة كانت في محيط المستشفى، ما يشير إلى محاولة واضحة للتعتيم على ما يحدث في المنطقة ومنع نقل الحقيقة. لم تكن السيارة تحمل سلاحًا، بل كاميرا وصوت. مراسلون وصحفيون كانوا في الميدان، يوثقون لحظة بلحظة عمليات الإخلاء والقصف. هذا الاستهداف يُعد تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة، ورسالة صريحة مفادها: “لا نريد شهودًا على الجريمة”.
الطواقم الطبية وصفت اللحظات بأنها “الأصعب منذ بداية الحرب”. لم تكن كارثة طبية فقط، بل كارثة إنسانية بكل المقاييس. “أن تُجبر على إخراج مريض من غرفة الإنعاش إلى الشارع، فهذا بحد ذاته موت معلن”، قال أحد الأطباء الناجين.
وفي أقل من ساعة، سُوّيت أجزاء واسعة من المستشفى بالأرض. دُمرت غرف العمليات، قسم العناية المكثفة، قسم الولادة، وغرف المرضى. تحوّل المعمداني من منارة للرحمة والنجاة إلى كومة ركام وسواد.
وزارة الصحة في غزة نددت بالاستهداف، واعتبرته جريمة حرب موثقة، مؤكدة أن “التحذير لا يبرر القصف”، وأن نقل المرضى في ظروف قسرية ليس إنقاذًا بل مساهمة في قتلهم بطريقة أخرى. كما شددت على أن ما جرى الليلة يُعد انتهاكًا صارخًا لكل القوانين الدولية والإنسانية.
وفي رسالة مفتوحة وجهها أحد الأطباء من قلب الدمار قال:
“قلنا مرارًا أن المستشفيات ليست أهدافًا عسكرية… قلنا إننا نحمل سماعة لا سلاح، وإن هذا المكان ليس ثكنة بل حياة… لكن لا أحد يستمع، لا أحد يرى، والعالم ما زال يضع ضمادة على عينيه.”
المعمداني لم يكن مجرد مبنى، بل كان نافذة ضوء في عتمة غزة. الليلة، أُطفئت تلك النافذة، وأصبح السؤال الأكثر تكرارًا في القطاع المحاصر: “أين نذهب الآن؟






المزيد
77 عامًا على النكبة: جرح فلسطين المفتوح
نبتلع القهر ونحيا
إلى درويش