مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مساحة الأمان بقلم إسلام محمد 

مساحة الأمان بقلم إسلام محمد

 

في حياتنا اليومية، سواء على الطرقات أو داخل العلاقات الإنسانية، تبقى فكرة مساحة الأمان ضرورية لضمان الاستقرار النفسي والجسدي. ففي القيادة مثلاً، لا يمكن للسائق أن يلتزم الأمان دون أن يترك مسافة كافية بينه وبين السيارة التي أمامه أو بجانبه، لأن أي اقتراب زائد قد يؤدي إلى حادث لا تُحمد عقباه. وهكذا هي العلاقات البشرية؛ إن لم نترك مسافة مناسبة تحمي خصوصياتنا وتحفظ توازننا الداخلي، قد نصطدم بغيرنا ونجرح أنفسنا أو نُنهك قلوبنا دون قصد.

 

العلاقات الإنسانية تحتاج إلى دفء وقرب، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى حدود واضحة. القرب المفرط قد يرهق الطرفين ويجعل العلاقة غير صحية، إذ يشعر أحدهما بأنه مقيّد أو فاقد لحريته. كما أن الانغماس الزائد في تفاصيل الآخر يجعلك عرضة للتأثر بمزاجه وتقلباته بشكل مبالغ فيه، مما يفقدك استقلاليتك العاطفية والفكرية. لذلك، لا بد من مساحة آمنة تُشبه المنطقة العازلة، تتيح لكل فرد أن يتنفس بعيداً عن ضغط التوقعات أو التدخل المفرط.

 

إن مساحة الأمان لا تعني البرود أو الجفاء، بل تعني أن نحب بوعي، وأن نعطي بحدود، وأن نقترب دون أن نذوب تماماً في الآخر. فكما أن السائق الحذر يترك مسافة أمامه ليمنحه وقتاً كافياً للتوقف إذا وقع طارئ، يجب علينا أيضاً أن نترك في علاقاتنا مساحة تحمينا من الصدمات العاطفية غير المتوقعة.

 

خطورة القرب الزائد تكمن في أنه يذيب الفواصل الطبيعية بين الأفراد، فيختلط “أنا” بـ “أنت”، وتضيع الحدود الشخصية. حينها يصبح التعلق خانقاً، والعطاء مرهقاً، والتوقعات أكبر من طاقة البشر. ومن هنا يولد الاحتقان والخذلان وربما الانفصال المؤلم. على النقيض من ذلك، فإن العلاقات التي تراعي المسافات المناسبة تُبنى على الاحترام المتبادل والوعي بقيمة الاستقلالية.

 

ولذلك، علينا أن نتعلم كيف نوازن بين الحميمية والمسافة، بين المشاركة والخصوصية. فالحب الحقيقي لا يُقاس بمقدار الالتصاق، بل بمقدار الأمان الذي نشعر به ونحن قريبون من بعضنا دون أن نفقد ذواتنا. مثلما نحافظ على حياتنا بالالتزام بقواعد المرور وترك مسافة أمان بين السيارات، نحافظ على قلوبنا وعقولنا بترك مسافة أمان في العلاقات، مسافة لا تبعدنا عن أحبائنا، لكنها تحمينا من الاصطدام بهم.

 

باختصار، مساحة الأمان هي سر الاستمرار؛ فهي التي تضمن أن يظل القرب جميلاً، والتواصل صحياً، والحب نقياً.