كتب: محمد صالح
عندما تفجر النظام العالمى الجديد حاول المبشرين به إلهام الآذان العالمية أن المستقبل يحمل مولودًا عالميًا مبشرًا سيطهر العالم من دنس التخلف والتقوقع والإنحطاط، إلى رحاب التقدم والطفرات العلمية التكنولوجية والحضارية المهمة والتي سوف تؤدي إلى تغيير الحياة على كوكب الأرض، ولم يدرى الحالمون أن هذا الإبن المنتظر والخليفة الذى ينتظرونه لإنقاذهم هو إبن عاق وأنانى ونكرة ومتملق وإنتهازى جميل الملامح وسيئ الفعل والجوهر، يحمل لهم الإبتسامة المغلفة ليهديهم أزمات ومشكلات عالمية لا حصر لها، ويحاول هذا الإبن تغييرهم ويفرق بينهم ليضحوا بأنفسهم من أجله.
فمخرجات النظام العالمى الجديد بدأت بطلات ليست بالجميلة ولا هى بذاك القالب الذى ظنه البعض أنه مخرج لحياة متخلفة وطاحنة وإنتشال من الفقر، فوجئ الناس والمؤملين بمخرجات غير سعيدة حيث وجدوا نظام عالمى لا يلبى حتى ضرورات الحياة اليومية ويقودهم إلى الفقر المدقع والحياة البائسة.
وكانت أهم مخرجاته:
إنتشار الفساد الأخلاقى والعهر الإجتماعى، حيث لا يهتم النظام العالمى الجديد بالقيم أو المبادئ، ويبنى الأمم بقيم جديدة بديلة هى الإستهلاك والعلم والتكنولوجيا والصرف وتعظيم الإمكانات ومحاولة طمس قيم الذات وصهرها وتذويبها لتمرير نطاقه غير المحدود من التجارة الحرة جنسية وأفلام ثقافية وعرى وغير ذلك، ويحاول إزالة القيود الإجتماعية التى تعترض تكوين الثروة بأى طريقة، ويستخدم المرأه كمدخل فى كل حوار؛ ويستخدم أكثر زيها وجسدها ويعرضه كسلعة رخيصة.
الفساد السياسى والمالى: فهو يركز على الحصول على الثروة بأى ثمن حتى إن كانت على حساب دمار وضرر المجتمع، ويحاول تشريع قوانين لصالح ذلك، ويبنى مواقفه ومشاريعه على حساب البيئة، فهو يسعى للكسب السريع ويحاول إزالة المعوقات ويغير الحكومات تبعًا لمبتغياته، فهو بالتالى كنظام إجتماعى يكسر حاجز المصلحة الإجتماعية عليها ويستبدلها بالكسب السريع والثراء الفاحش، وليس له حدود وضوابط فى جمع المال والثروات حيث لا يؤمن بالأخلاق والمبادئ ولا يعرف الحدود التى تهدم الأمم، ويبنى صروحه المالية من خلال كل شيء ممكن، فهو يبيح الرشا والإختلاس والقتل والنهب، ويغطى ذلك بغطاء جميل الملامح يجعله يصل لأهدافه ولا يركن لشئ.
من مخرجاته التهافت على الموارد وبالتالى نشوب النزاعات والأنظمة الشمولية والديمقراطية المتسلطة على رقاب الشعوب، حيث بناء مشاريعه مكلف ويحاول الوصول إليها بكافة الطرق، وبالتالى يزيد من حجم العداء العالمى ويفاقم من النزاعات ويوسع من قائمة التسابق تجاه التسلح، وهذا يؤدى للحروب وزيادة الفقر والنزوح العالمى والهجرة وما يترتب عليها، ويؤدى أيضًا إلى عدم إستقرار الأنظمة ومحاولتها التأقلم مع النظام العالمى الإنتهازى ولا تستطيع، فيمكننا توقع حدوث تغيير دائم، وحدوث تبدل فى الأوضاع بصورة لا تصدق، وهذا يؤدى إلى ظهور بدع عالمية كشركات ومستثمرى المجاعات والحروب والوسطاء الإستغلاليين، والكمبارس على مستوى الدول، وهذا ينعكس على المجتمعات فى عدم إستقرارها، الخوف من المستقبل، وغير ذلك.
الإستهلاك الشامل غير المحدود للقدرات والطاقة والحيوية والنشاط وغيرها، وذلك بفك النظام العالمى لأدواته المختلفة والمتعددة والتى تشغل حيزًا كبيرًا من الفراغ، وتستفز فيك كل شيء، وتستنفذ قواك العقلية والجسدية والنفسية، وهذا عبئ كبير يحتاج لطاقة جبارة لإستمراره، وقدرات مهولة لوصوله لغاياته، والمشكلة أن الرؤية المستقبلية تظهر أنه طويل المدى ولا يبشر بخير، من حيث الإستهلاك الكبير للموارد، فسفينة فضائية بملحقاتها يمكن أن يكلف ميزانيات دول، والصرف على البحث العلمى يكلف كثيرًا،والمعامل والأجهزة والصناعات التكنولوجية مكلفة وضارة بالبيئة فى ذات الوقت، فكل الرقائق الإلكترونية ما زلنا نجهل كيفية تدويرها للتخلص منها بيئيًا، وهذا مصدر إشعاع فى المستقبل، وهذه بوادر كوارث بيئية ستظهر قريبًا، ومحاولته طمث القيم والعقائد وإستبدالها بمنظومة ومفهوم العلمانية فى تحدى ناعم وخطر للبعد الإلهى فى التواصل مع الكون، ما هو إلا مأسونية عالمية تحاول إستبعاد القيود الدينية والقيم الإيجابية وتزيلها أمام مبتغياته التى لا تعرف الحدود وغارقة فى الإباحة بدعاوى الحرية، وهى فى نهايتها تجارة ومنتجات تريد غزو الأسواق وفتح أسواق جديدة، وإزاحة كل من يعترض ذلك من منظومات ومناهج إجتماعية ومحاربتها.
فمخرجات النظام العالمى مازالت فى بدايتها، وهى غير مبشرة حيث تدوس على كل شيء للوصول إلى أهدافها غير الأخلاقية بدعاوى المستقبل التكنولوجى وإزدهار مشاريعه التى تبتلع كل شيء على حساب البيئة والكائنات الحية ونحن ننتظر منه كمجتمع أن يحقق لنا التحول المنشود.






المزيد
فلسفة الصدق الفني: لماذا يفشل المبدع حين يغترب عن بيئته؟
تكلفة الإنذار المبكر
عرفة والتروية والعيد: ثلاث محطات لإعادة توازن النفس