الإشعار الذى سرق انتباهك
الكاتب هانى الميهى
الفصل الثالث
السر
لم يعد أخطر ما يسرقه هذا العصر من الإنسان وقته… بل انتباهه، لأن الوقت لا يضيع إلا بعد أن يضيع الانتباه.
لا أظن أن الإنسان خُلق مشتتًا.
كان يستطيع أن يجلس أمام البحر ساعة كاملة، فلا يمل.
وكان ينظر إلى المطر وكأنه يسمعه لأول مرة.
وكان يقرأ كتابًا، فينسى العالم من حوله.
لم يكن ذلك لأن الحياة كانت أبطأ…
بل لأن انتباهه كان ملكه.
أما اليوم، فأخشى أننا لم نعد نملك هذه الرفاهية.
لم يعد انتباه الإنسان يقيم عنده طويلًا.
كل شىء يطلبه.
كل شىء يجذبه.
كل شىء يصرخ فى وجهه: “انظر إلى هنا.”
أتعجب أحيانًا من كلمة صغيرة تظهر أعلى الشاشة…
إشعار.
مجرد نقطة مضيئة.
صوت خافت.
اهتزاز لا يكاد يُرى.
ومع ذلك…
كم مرة قطعت فكرة كانت على وشك أن تولد؟
وكم حوارًا أفسدت؟
وكم لحظة سرقتها من عمر إنسان دون أن يشعر؟
العجيب أن الإشعار لا يفرض نفسه بالقوة.
إنه يكتفى بأن يوقظ فضولك.
ثم يتركك تكمل الباقى بنفسك.
لم يعد الصراع بين الإنسان والجهاز.
بل أصبح بين الإنسان ونفسه.
هل يستطيع أن يؤجل النظر؟
هل يستطيع أن يقول: “ليس الآن”؟
هل يستطيع أن يترك الفكرة تنضج قبل أن يفتح نافذة أخرى؟
هذه الأسئلة تبدو صغيرة…
لكنها ترسم شكل حياتنا كلها.
فالذهن الذى اعتاد القفز بين عشرات الأشياء…
كيف سيصبر على حلم يحتاج سنوات؟
وكيف سيحتمل كتابًا عميقًا؟
وكيف سيصغى إلى إنسان يتحدث من قلبه؟
أخشى أن أعظم خسائرنا لم تكن فى كثرة المعلومات…
بل فى قلة التأمل.
صرنا نعرف أخبار العالم قبل أن نعرف أخبار أرواحنا.
نقرأ آلاف الكلمات كل يوم…
لكن كم فكرة واحدة بقيت معنا؟
نمر على عشرات الوجوه…
لكن كم وجهًا نظرنا إليه حقًا؟
أصبح العقل مزدحمًا…
والروح خالية.
كل إشعار يقول لك إن هناك شيئًا أهم مما تفعله الآن.
ومع تكرار الرسالة…
تبدأ فى الشك.
هل ما أفعله يستحق الاستمرار؟
هل هذه الصفحة تستحق أن أكملها؟
هل هذا الحديث يمكن أن ينتظر؟
وهكذا…
يتحول التشتت إلى أسلوب حياة.
لا لأننا اخترناه…
بل لأننا اعتدناه.
لا أريد أن أعيش حياة أقطعها بيدى كل دقيقة.
ولا أريد أن تصبح أفكارى مجرد محطات قصيرة، لا تبلغ نهايتها أبدًا.
فالإنسان لا يصنع عملًا عظيمًا بانتباه مشتت.
ولا يبنى علاقة صادقة بعين تنظر كل لحظة إلى شاشة أخرى.
ولا يكتشف نفسه بعقل لا يمكث فى مكانه أكثر من ثوانٍ.
ربما كانت المشكلة أعمق مما نظن.
لسنا نحتاج إلى وقت إضافى…
نحن نحتاج إلى انتباهٍ يعود إلينا.
فالوقت موجود.
لكن الانتباه هو الذى هاجر.
وكلما طال غيابه…
طال الطريق بين الإنسان ونفسه.
رسالة الفصل
حين يصبح انتباهك ملكًا لكل شىء، لن يبقى منك ما يكفى لتمنحه لما يستحق.
تمهيد الفصل الرابع
لكن إذا كان انتباهنا يتوزع على الجميع… فلماذا نزداد شعورًا بأننا وحدنا، رغم أن أسماءً لا تُحصى تحيط بنا؟






المزيد
صدي الأمواج بقلم الكاتبة إسراء حسن عبدالله
حينَ يخونُ الصدى صوته بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
جذورٌ لا تنحني بقلم: أمجد حسن الحاج