مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ما رأيك أن نكسر قواعد البُعد ونلتقي

Img 20241115 Wa0017

 

بقلم: الإعلامية سبأ الجاسم الحوري. 

 

تحت قبة السماء التي تُلامس أطراف الأبدية، وبين حنايا الزمن المتناثر كرماد ذكرى قديمة، نقف على حافة الفُرقة، نجسّد المدى بيننا كصدى هارب من بئر النسيان، أليست قواعد البُعد سوى سلاسل وهمية؟ عقدناها حول أرواحنا، فأصبحت أجنحتنا مثقلة باللا لقاء، مُعطلة عن التحليق في فضاءات الوجود؟

 

إن كسر قواعد البُعد هو أن تُعيد للأشياء أصالتها، أن تمحو بخطواتك على دروب الزمن تلك الفواصل الهشة التي صنعناها بأيدينا، حتى باتت كالجدران العتيقة، شاهقة بلا جدوى، تَفكُّك هذه القواعد لا يعني تمردًا، بل هو ولادة جديدة، لحظة تُعيد فيها للأرواح قُدرتها على العناق، كما كانت قبل أن تُولد الكلمات حواجز بين القلوب.

 

لنلتقِ، لا في نقطة معلومة، بل في مجاز يشبه السديم، حيث تُصبح المسافات وهمًا، والأبعاد غبارًا متطايرًا في وجه الحقيقة، هناك، يمكننا أن نكتشف أنفسنا من جديد، أن نبحث في أدق تفاصيل أرواحنا عن البذور التي أُهملت في تربة الأيام، ونمنحها فرصة الإزهار.

 

دعنا نلتقِ على أطراف البحر، حيث يحتضن الموج الصخر، كأنه يروي حكاية حب أزلية بين الماء واليابسة، في ذلك الامتزاج الأزلي بين المد والجزر، يمكن أن نجد نحن أيضًا انصهار أرواحنا، كقطرتين عادتا أخيرًا إلى المحيط الكبير الذي وُلدتا منه، هناك، حيث ترسم الأمواج إيقاعها الخاص، سنفهم أن اللقاء ليس انكسارًا، بل عودةً إلى الأصل.

 

أو ربما نلتقي في الغابة، بين أشجار شامخة تُعانق السماء، حيث يغني النسيم أغنيته السرمدية، في تلك الظلال العميقة التي تنساب بينها أشعة الشمس بخجل، سنشعر بالتصالح مع العالم من حولنا، كأن الطبيعة بأسرها تحتضن وجودنا، في عناق الغابة، تتماهى الفصول، وتذوب الأبعاد، لنصبح جزءًا من سيمفونية الحياة التي تُعزف دون توقف.

 

إن اللقاء، يا صاحبي، ليس مجرد حضورٍ في المكان، بل هو انصهار، امتزاج بين حنايا الأفقين، وتماهي الروحين في معزوفة أبدية لا تتكرر، هو تحطيم لطبقات الصمت التي علقت بألسنتنا، وسكب لكلمات عالقة في حلق الزمن، تنتظر الإفلات من سجن البُعد.

 

لنلتقِ كمن يكتشف نجمًا ضاع منذ دهور، كمن يشعل شمعة في دهليز معتم، كمن يجد شريان الحياة في صحراء الجفاف، ما رأيك أن نجعل من اللقاء سيمفونية تُدوي في عروق الوجود، أن نكسر القيود، ونترك للعالم نسخة جديدة منّا، تحمل بصمة اللقاء الأول، كأننا كنا هنا منذ الأزل؟

 

لنبدأ… حيث ينتهي البُعد، وحيث يلتقي البحر بالغابة، وحيث تبدأ السماء بفتح أبوابها لمن تجرؤ أجنحتهم على التحليق.