مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رحلة العودة

كتبت أمينه خليل:

هناك نوع من الرحلات لا يُقاس بالمسافة، بل بعدد المرات التي يعود فيها الإنسان إلى نفسه دون أن ينتبه.

 

نحن لا نذهب إلى الآخرين دائمًا بدافع الحب، بل بدافع الخوف. خوف خفي من فراغٍ لا نعرف كيف نُمسكه، من صمتٍ داخلي يبدو كأنه أكبر منا. فنمدّ أيدينا نحو البشر، نحو العلاقات، نحو أي شيء يمكن أن يُحدث ضجيجًا كافيًا ليُسكِت ذلك الصوت الذي يسألنا: من أنتِ حين لا يراك أحد؟

 

في البداية، يبدو كل اقتراب كأنه خلاص صغير. شخص يفهمنا، آخر يطمئننا، ثالث يجعل الأيام أخف. لكن شيئًا ما يتسرب بهدوء، كأننا نستهلك العالم لنؤجل مواجهة أنفسنا. ومع كل علاقة، يتّسع السؤال بدل أن يختفي: لماذا رغم هذا الامتلاء العابر، يبقى في الداخل هذا الفراغ الذي لا يتزحزح؟

 

الحقيقة القاسية ليست أن الآخرين لا يكفون، بل أننا كنا نحاول أن نُحمّلهم مهمة مستحيلة: أن يُعيدونا إلينا.

 

نُسقط على الحب فكرة الإنقاذ، وعلى القرب فكرة الانتماء المطلق، وعلى الاهتمام وعدًا خفيًا بأننا لن نشعر بالوحدة مجددًا. لكن كل ذلك يتشقق مع الوقت، ليس لأن المشاعر كاذبة، بل لأننا كنا نطلب منها ما لا تستطيع فعله أصلًا.

 

في لحظة ما، تبدأ الدائرة في الانكشاف. نفس النهاية تتكرر بأشكال مختلفة: اقتراب، تعلق، فقد، صمت. كأن الحياة تعيد المشهد نفسه لكن بوجوه مختلفة، فقط لتجبرنا على رؤية الرسالة التي نتجاهلها دائمًا.

 

ثم يحدث التحول الحقيقي، ليس عندما نجد شخصًا يبقينا، بل عندما نلاحظ أننا صرنا نعود إلى أنفسنا أكثر من عودتنا إلى الآخرين.

 

هناك، في هذا الرجوع البطيء، يبدأ شيء أشبه بالاعتراف: أن الوحدة ليست عدوًا، بل مساحة كانت مغلقة لفترة طويلة. وأن ما كنا نسميه “نقصًا” ربما كان مجرد صوت داخلي لم يُسمع جيدًا من قبل.

 

العمق الحقيقي لا يأتي من كثرة التجارب، بل من لحظة صادقة نكفّ فيها عن الهروب من داخلنا. حينها فقط، يتغير معنى الطريق كله: لم يعد بحثًا عن من يُكملنا، بل فهمًا لما نحن عليه أصلًا.

 

ليس لأننا لا نحتاج إلى الآخرين، بل لأننا نتوقف عن جعلهم بديلًا عن أنفسنا.

 

وعند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود الداخل مكانًا فارغًا كما كنا نراه، بل يصبح مكانًا أخيرًا يمكننا العودة إليه دون خوف، ودون انتظار أحد على بابه.