كتب عبد الرحمن شعبان سعد:
وقف سليم في مكانه لا يقوى على الحركة. الظلام كان كاملًا، كثيفًا، حتى إنه شعر وكأن الهواء نفسه اختفى. ترددت الهمسة في أذنه مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن تحذيرًا… بل تهديدًا صامتًا.
مدّ يده يتحسس الحائط حتى وصل إلى المفتاح. أضاء المصباح فجأة، فعاد الضوء باهتًا ضعيفًا، لكنه كان كافيًا ليرى ما جعله يتراجع مذعورًا.
آثار الأقدام ما زالت هناك… لكنها لم تعد تتجه نحو غرفته فقط، بل صارت تدور في أرجاء البيت، كأن صاحبها كان يتجول ببطء، يتفحّص المكان، ويترك أثره عمدًا.
ابتلع سليم ريقه، وتقدم خطوة واحدة. نادَى بصوتٍ مرتجف: — من أنت؟ ماذا تريد؟
لم يأتِه الرد صوتًا، بل شعورًا. برودة مفاجئة اجتاحت الغرفة، كأن نافذة فُتحت على ليلٍ آخر.
بدأ يسمع أصواتًا خافتة، همسات متقطعة، لا يمكن تمييز كلماتها، لكنها كانت قريبة… قريبة جدًا. كل خطوة يخطوها كانت تقابلها خطوة أخرى غير مرئية.
اندفع نحو غرفته، وأغلق الباب خلفه. جلس على السرير، يحاول التقاط أنفاسه، بينما عيناه معلقتان بالباب.
مرت دقائق ثقيلة، ثم سمع صوت احتكاك خفيف… كأن أصابع تمرّ على الخشب من الخارج.
تذكر فجأة حديث جده القديم. كان الرجل يحذرهم دائمًا من الليالي التي تختفي فيها النجوم، ويقول إن السماء حين تفرغ، ينزل ما لا يجب أن يُرى.
قال لنفسه بصوت خافت: — هذا وهم… مجرد خوف.
لكن المرآة المقابلة للسرير خذلته. لم يكن انعكاسه فيها وحده.
خلفه، وقف ظل طويل، غير واضح الملامح، عيناه كانتا أعمق من الظلام ذاته.
التفت سليم بسرعة… لا شيء.
عاد ينظر إلى المرآة… الظل اقترب.
شعر بدوار شديد، وسقط جالسًا على الأرض. ازدادت الهمسات، حتى صارت كأنها صوت واحد يكرر جملة واحدة:
— لقد رآك… — ولا أحد ينجو بعد ذلك.
انفتح باب الغرفة ببطء، دون أن تلمسه يد.
وفي اللحظة التي أدرك فيها سليم أنه لم يعد وحده، ارتجّ البيت كله، وسمع صرخة عالية، لم يكن متأكدًا إن كانت صوته… أم صوت شيء آخر.






المزيد
الثقافة بين الفكر الحر وصراع المناصب
صلة بالقرآن يومية
أمل لا ينتهي