لقد ذقت طعم الفقد.
الكاتب هانى الميهى
آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة
الفصل الخامس عشر
فيا الله… أشهدك أننى لا أقوى على فراق أخيه
السر
تصل الأم فى نهاية كل الطرق إلى حقيقة واحدة؛ أنها لا تملك أبناءها، لكنها لا تتوقف أبدًا عن الدعاء لهم.
هناك لحظة يصل إليها الإنسان، لا يعود يطلب فيها من الدنيا شيئًا.
لا يطلب نجاحًا.
ولا مالًا.
ولا انتصارًا.
ولا حتى تعويضًا عما مضى.
كل ما يطلبه أن يبقى من يحبهم على قيد الحياة.
وهذه اللحظة لا يعرفها إلا من وقف يومًا بين يدى الله، وقد سقطت من يده كل الأسباب، ولم يبق فيها إلا الدعاء.
لم أعد أخاف على نفسى.
لقد أخذت الحياة منها ما أخذت.
وعلمتنى من الدروس ما يكفينى لعمرين.
لكن قلب الأم لا يشيخ كما يشيخ الجسد.
يبقى معلقًا بأبنائه، كأنهم ما زالوا أولئك الأطفال الذين كانت تضمهم إلى صدرها خوفًا من الليل.
لقد ذقت طعم الفقد.
ولذلك لم أعد أخاف من الألم…
بل أخاف من تكراره.
كنت أعرف أن الله قادر على كل شىء، لكن قلبى كان يرتجف كلما رأيت المرض يقترب، وكلما سمعت كلمة تذكرنى بما مضى، وكلما عاد إلى ذاكرتى وجه صغير غادر الدنيا قبل أن يشبع من حضن أمه.
وهنا يصبح الدعاء مختلفًا.
لا يكون دعاءً من أجل أمنية.
بل من أجل بقاء الروح.
كنت أرفع يدى، ولا أملك كلمات كثيرة.
كل ما كنت أقوله:
يا رب… لا أستطيع.
وهذه الجملة كانت أصدق من ألف دعاء.
فالإنسان لا يكون صادقًا مع الله حين يختار أجمل الكلمات، وإنما حين يقف بين يديه كما هو، بضعفه، وخوفه، ودموعه التى لم يعد يستطيع إخفاءها.
لقد قضيت عمرى أحاول أن أكون قوية.
قوية أمام أهلى.
وقوية أمام زوجى.
وقوية أمام الغربة.
وقوية أمام المرض.
وقوية أمام نظرات الناس.
لكننى أمام الله…
لم أرد أن أكون قوية.
أردت فقط أن أكون أمًا.
أمًا تخاف.
وأمًا تبكى.
وأمًا تقول بكل ما بقي فيها من يقين:
أشهدك أننى لا أقوى على فراق أخيه.
ولم تكن هذه الكلمات اعتراضًا على القدر.
بل اعترافًا بالحقيقة.
فالله لا يطلب منا أن نتظاهر بالقوة.
ولا أن ننكر ضعفنا.
بل يحب أن نأتى إليه كما نحن.
ولهذا كان الدعاء آخر محطة فى رحلتى.
لا لأنه آخر ما أملك…
بل لأنه أول ما كان يجب أن أتشبث به منذ البداية.
واليوم…
حين أنظر إلى الطريق كله، لا أرى فقط الأحزان التى مررت بها.
أرى يد الله التى أمسكت بقلبى كلما كاد ينكسر.
وأرى لطفه فى كل مرة ظننت أننى انتهيت.
وأرى رحمته فى كل دمعة لم يفهمها أحد.
لقد خسرت كثيرًا…
لكننى لم أخسر الله.
ولهذا…
ما زلت أستطيع أن أبتسم.
وما زلت أستطيع أن أبدأ يومًا جديدًا.
وما زلت أؤمن أن الدعاء الذى خرج من قلب أم مكسور، لن يضيع عند رب رحيم.
ولعلنى لم أكتب هذه الرحلة لأخبر الناس كم تألمت.
بل لأقول لكل قلب يحمل وجعًا يشبه وجعى:
قد تنكسر…
لكن لا تبتعد عن الله.
وقد تضعف…
لكن لا تيأس من رحمته.
وقد تفقد أشياءً كثيرة…
لكن إذا بقيت علاقتك بربك حيّة، فسيبقى فى قلبك دائمًا ما يستحق الحياة.
رسالة الكتاب
ليست كل الأيادى الممزقة ضعيفة، فبعضها تمزق وهو يحاول أن يحمل الآخرين إلى النجاة. وليست كل القصص التى امتلأت بالألم قصص هزيمة، فهناك من يخرج من قلب المحنة أكثر قربًا من الله، وأكثر فهمًا للحياة، وأكثر رحمةً بالبشر.
لقد بدأت الحكاية بسؤال:
“لا أدرى ما الذنب الذى اقترفته…”
وانتهت بيقين:
أن الإنسان قد يعجز عن فهم القدر، لكنه لا ينبغى أن يعجز عن حسن الظن بربه.
تمت بحمد الله.






المزيد
كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها بقلم هانى الميهى
الطريق الذى اختاره لك الآخرون بقلم هانى الميهى
كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها بقلم هانى الميهى