مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الطريق الذى اختاره لك الآخرون بقلم هانى الميهى

الطريق الذى اختاره لك الآخرون
هانى الميهى

الفصل الخامس
مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟
كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها

هناك إنسان قد يصل إلى منتصف عمره دون أن يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا:

هل هذه حياتى فعلًا؟

يستيقظ فى الصباح، يذهب إلى عمله، يعود إلى بيته، يدفع التزاماته، يلتقى الناس الذين اعتاد لقاءهم، يفعل الأشياء التى يفعلها الجميع، ثم ينام.

كل شيء يبدو طبيعيًا.

بل ربما يبدو ناجحًا.

لكن فى مكان هادئ جدًا داخله، هناك سؤال صغير ظل مؤجلًا:

متى اخترت كل هذا؟

قد لا يجد إجابة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.


منذ الطفولة، يبدأ الآخرون فى رسم الطريق.

«اجتهد لتصبح طبيبًا.»

«ادخل هذه الكلية.»

«هذه الوظيفة أفضل.»

«لا تترك المكان الآمن.»

«تزوج عندما تجد الشخص المناسب.»

«اشترِ بيتًا.»

«يجب أن يكون لديك سيارة.»

«يجب أن تنجح.»

ولا أحد يقصد بالضرورة الشر.

الأهل يريدون الأمان لأبنائهم.

والمجتمع يحب النماذج التى يفهمها.

والناس يخافون من الطرق التى لم يجربوها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول النصيحة إلى خريطة إلزامية.

يكبر الطفل…

ثم يواصل السير.

ليس لأنه اختار الطريق.

بل لأنه لم يتعلم أصلًا أن يسأل: «هل أريده؟»


قد يدرس الإنسان سنوات فى مجال لا يحبه.

يعمل أكثر.

يحصل على ترقية.

يزداد راتبه.

ويصفق له الجميع.

ثم يعود فى نهاية يوم طويل، يجلس وحده، ويشعر بشيء لا يستطيع تسميته.

ليس فشلًا.

فهو ناجح.

وليس فقرًا.

فهو يملك ما يكفيه.

وليس نقصًا فى الناس.

فالناس حوله.

إنه فقط يشعر أنه يعيش حياة شخص آخر.

وهذه من أكثر صور الضياع قسوة:

أن تنجح فى حياة لم تكن تريدها.


قد يكون الإنسان قد ورث حتى تعريفه للنجاح.

يظن أن النجاح هو المال.

أو المنصب.

أو عدد الممتلكات.

أو إعجاب الآخرين.

ثم يصل إلى ما قيل له إنه النجاح، ويكتشف أن داخله لم يتحرك.

لم يشعر بشيء.

لأن السؤال لم يكن:

«هل نجحت؟»

بل:

«هل هذا النجاح يشبهك؟»


وليس كل ما ورثناه سيئًا.

هناك قيم نحتاج أن نحملها معنا.

وهناك نصائح صنعت لنا طريقًا أكثر أمانًا.

وهناك خبرات من سبقونا تستحق الاحترام.

لكن النضج لا يعني أن نرفض كل ما جاءنا من السابقين.

كما لا يعني أن نقبل كل شيء بلا تفكير.

النضج أن تعرف ما الذى تأخذه…

وما الذى تتركه.

أن تعرف الفرق بين الإرث الذى يبنيك والإرث الذى يمنعك من أن تصبح أنت.


تخيل شابًا اختار تخصصه لأن والده أراده فيه.

لم يسأله أحد:

«ما الذى تحبه؟»

كان السؤال:

«ما الذى يضمن لك مستقبلك؟»

فدرس.

ثم عمل.

ثم نجح.

وحين أصبح قادرًا على اتخاذ قراره بنفسه، اكتشف أنه لا يعرف كيف يختار.

لأن كل قراراته المهمة اتخذها الآخرون قبله.

وهذه مفارقة مؤلمة:

قد يحميك الآخرون من الخطأ حتى يمنعوك من تعلم الاختيار.


والإنسان الذى لا يتعلم الاختيار فى الصغر قد يصبح خائفًا منه فى الكبر.

يحتاج دائمًا إلى شخص يقول له:

«افعل.»

«لا تفعل.»

«هذه مناسبة.»

«هذه الوظيفة جيدة.»

«هذا الشخص لا يناسبك.»

حتى فى القرارات التى لا يعيش نتائجها إلا هو.

ثم يلوم نفسه:

«لماذا أنا متردد؟»

لأنك لم تتعلم أن تحمل مسؤولية اختيارك.


الاختيار مسؤولية.

وهذه ربما أهم حقيقة نحاول الهروب منها.

حين تختار، لا تعود قادرًا على إلقاء كل شيء على الآخرين.

إذا نجحت، فهو قرارك.

وإذا أخطأت، فهو قرارك.

وهذا مخيف.

ولهذا يفضل البعض أن يعيشوا حياة اختارها غيرهم.

لأنهم إذا فشلوا يستطيعون أن يقولوا:

«هم الذين قالوا لى.»

لكن الجملة المريحة أحيانًا تصنع عمرًا كاملًا من الندم.


هناك من يعيش فى وظيفة لا يحبها ويقول:

«أبى هو من نصحنى بها.»

وهناك من يعيش فى مدينة لا يحبها:

«زوجتى كانت تريد ذلك.»

وهناك من لم يبدأ مشروعه:

«الناس قالوا لى إن السوق صعب.»

وهناك من لم ينه علاقة مؤذية:

«الجميع قالوا لى اصبر.»

قد تكون النصائح حسنة النية.

لكن فى النهاية…

أنت الذى عشت النتيجة.


وهنا لا أدعو إلى التمرد.

التمرد سهل.

أن تقول «سأفعل عكس الجميع» ليس استقلالًا.

قد يكون شكلًا آخر من التبعية.

إذا كان الآخرون يقولون «يمينًا»، وأنت تختار «يسارًا» فقط لأنهم قالوا يمينًا، فما زلت تسمح لهم بتحديد اتجاهك.

الاستقلال الحقيقي أكثر هدوءًا:

أن تفكر.

أن تسمع.

أن تستشير.

ثم تختار لأنك فهمت، لا لأنك خالفت.


وفى الحياة العملية، نرى هذا يوميًا.

موظف حصل على منصب إداري لأنه كان «مكافأة» مستحقة، ثم اكتشف أنه لا يحب الإدارة أصلًا.

كان يريد أن يصبح خبيرًا فى مجاله، لكنه قبل المنصب لأن الجميع قالوا:

«هذه ترقية، كيف ترفض؟»

فأصبح مديرًا جيدًا فى عمل لا يحبه.

بعد سنوات، بدأ يفقد شغفه.

ليس لأن المنصب سيئ.

بل لأن المنصب كان جوابًا لسؤال لم يسأله هو.


كم مرة اعتبرنا التقدم هو أن نصعد؟

لكن ماذا لو كان الصعود فى الاتجاه الخطأ؟

قد تصعد السلم بسرعة…

ثم تكتشف أنك وضعته على الجدار الخطأ.

وهذه ليست مشكلة فى السرعة.

إنها مشكلة فى الاتجاه.


أحيانًا نحتاج إلى التوقف لا لأننا فشلنا، بل لأننا نجحنا أكثر مما ينبغي فى طريق لا يشبهنا.

وهذه لحظة مخيفة.

لأنك لا تستطيع بسهولة أن تقول:

«لقد أخطأت.»

بعد عشرين سنة.

بعد مال.

بعد سمعة.

بعد علاقات.

بعد وقت.

لكن الاعتراف المتأخر أفضل من الاستمرار فى الخطأ فقط لأنك بدأت فيه منذ زمن.

ليس من الحكمة أن تقول:

«لقد قطعت نصف الطريق، إذن سأكمل.»

إذا اكتشفت أن الطريق ليس طريقك.


هناك فرق بين الاستمرار والعناد.

الاستمرار أن تعرف لماذا تمضى.

أما العناد فهو أن تستمر لأن التراجع سيجعلك تعترف بأنك كنت مخطئًا.

وهذا يحدث فى العمل، والعلاقات، والمشروعات، وحتى فى الأفكار التى نحملها عن أنفسنا.

قد يصبح الإنسان أسيرًا لما دفعه بالفعل.

يقول:

«لقد صرفت سنوات هنا.»

لكن السنوات التى ذهبت لا تعود بمجرد أن تكمل إهدار السنوات القادمة.


والأصعب من كل ذلك أن بعض الطرق التى اختارها الآخرون قد تكون جميلة فعلًا.

قد يكون العمل جيدًا.

والزواج مستقرًا.

والبيت جميلًا.

والدخل مناسبًا.

ومع ذلك…

قد لا تكون هذه الحياة هى التى يريدها الإنسان.

وهنا يجب أن نكون صريحين:

ليس كل ما يناسب الآخرين يناسبك.

ولا يعنى ذلك أنك أفضل منهم.

ولا أنهم مخطئون.

فقط أنت إنسان له تركيبه، وقدرته، وميوله، وأسئلته، ومساحته الخاصة.


وفى الإيمان معنى عظيم هنا.

فالإنسان مسؤول عن نفسه.

لا يستطيع أن يعيش عمره كله وهو يضع قراراته فى يد الآخرين ثم ينتظر أن يتحملوا عنه نتائجها.

النصيحة لها مكانها.

والوالدان لهما حقهما.

وأهل الخبرة لهم قدرهم.

لكن فى النهاية هناك إنسان سيقف أمام الله بما اختار هو، لا بما اختاره له الناس.

وهذا يجعل الاختيار مسؤولية أخلاقية، لا مجرد حرية شخصية.


لذلك لا تسأل فقط:

«ماذا أريد؟»

اسأل أيضًا:

«لماذا أريد؟»

قد تكتشف أنك تريد المال لأنك تخاف الفقر.

وقد تريد الشهرة لأنك تخاف أن تكون بلا قيمة.

وقد تريد المنصب لأنك تريد إثبات نفسك.

وقد تريد الزواج لأنك تخاف الوحدة.

وقد تريد الرحيل لأنك تهرب من مواجهة.

الرغبة وحدها لا تكفى.

لابد أن تعرف مصدرها.


وربما أجمل ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يجلس يومًا مع نفسه، ويعيد النظر فى الطريق كله.

ليس ليهدم حياته.

بل ليعرفها.

أن ينظر إلى اختياراته دون جلد.

يقول:

«هذا اخترته.»

«وهذا اخترته لإرضاء غيرى.»

«وهذا كنت خائفًا.»

«وهذا كنت أظنه نجاحًا.»

«وهذا كان خطأ.»

ثم يسأل السؤال الذى تأخر طويلًا:

«إذا كان بإمكانى أن أختار من جديد… ماذا سأختار؟»

قد لا يستطيع تغيير كل شيء.

لكن مجرد السؤال يعيد إليه شيئًا فقده منذ سنوات:

الإرادة.


ليس مطلوبًا أن تبدأ حياة جديدة غدًا.

أحيانًا يكفى أن تبدأ فى اتخاذ قرار واحد بصدق.

أن تقول «لا» عندما تكون «لا» هى الحقيقة.

أن تقول «نعم» عندما يكون «نعم» اختيارك.

أن تعترف بأنك لا تريد شيئًا لمجرد أن الجميع يريدونه.

وأن تعرف أن تغيير الطريق لا يعني دائمًا أنك فشلت.

أحيانًا يعني أنك أخيرًا عرفت إلى أين تريد أن تذهب.


وفى النهاية، ربما لا تكون المشكلة أن الآخرين اختاروا لك.

فقد يفعلون ذلك بحب.

المشكلة أنك سلّمتهم المقود.

وهناك فرق كبير.

قد يستشيرك أحدهم.

قد ينصحك.

قد يحذرك.

قد يخاف عليك.

لكن لا أحد يستطيع أن يعيش يومك بدلًا منك.

ولا أحد سيشعر بثقل القرار حين تغلق باب غرفتك.

ولا أحد سيحمل عنك السنوات التى ستأتي.

ولهذا…

حين تصل إلى مفترق جديد، اسمع الجميع.

لكن اسمع نفسك أيضًا.

ثم ارفع عينيك عن الطريق لحظة واسأل:

هل أمشى لأننى اخترت، أم لأن الجميع كانوا يمشون من هنا؟

فقد يكون الطريق مألوفًا…

لكن المألوف ليس دائمًا صحيحًا.

وقد يكون الطريق الجديد مخيفًا…

لكن الخوف ليس دائمًا علامة على الخطأ.

وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى طريق جديد.

يحتاج فقط إلى أن يعترف للمرة الأولى:

هذا الطريق ليس طريقي.

رسالة الفصل

لا تعش حياة اختارها الآخرون ثم تسمّي استمرارك فيها وفاءً؛ احترم من أحبك ونصحك، لكن تحمل مسؤولية أن تعرف الطريق الذى تستطيع أن ترى نفسك فيه.

تمهيد الفصل السادس

وحين يقرر الإنسان أخيرًا أن يسأل عن الطريق الذى يريده، قد يكتشف مفاجأة أخرى:

أنه لا يزال يعود إلى الأشياء نفسها.

نفس العادات.

نفس التأجيل.

نفس الأشخاص.

نفس ردود الأفعال.

يعرف ما يريد، لكنه لا يفعله.

يرفض شيئًا، ثم يعود إليه.

يقرر أن يتغير، ثم يجد نفسه بعد أشهر فى المكان ذاته.

وكأن هناك قوة هادئة تعيده كل مرة إلى النقطة نفسها.

إنها العادة.

وهنا يبدأ الفصل السادس:

حين تصبح العادة أقوى من الرغبة