مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها بقلم هانى الميهى

كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها

هانى الميهى

مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟
الفصل الثالث
الإنسان الذى يسكن داخلك

هناك أوقات يعود فيها الإنسان إلى بيته، يغلق الباب، يضع هاتفه بعيدًا، ثم يجلس أمام نفسه كأنه يجلس أمام شخص لم يره منذ سنوات.

لا أحد يسأله كيف كان يومه.

لا أحد ينتظر منه ابتسامة.

لا مدير يريد منه إجابة.

ولا صديق يحتاج إلى تفسير.

فجأة يسقط كل ما كان يرتديه طوال اليوم، وتبقى حقيقة واحدة لا يستطيع الهروب منها:

أنا أعرف الناس أكثر مما أعرف نفسي.

نعرف متى يتغير صديقنا، ولماذا غضب زميلنا، وما الذى يزعج زوجنا، ولماذا يتصرف المدير بهذه الطريقة. نحلل الآخرين بسهولة، ونمنحهم الأسباب والدوافع، ثم حين يصل الأمر إلينا نقول ببساطة:

«لا أعرف لماذا فعلت ذلك.»

وربما هنا تبدأ الحكاية.


الإنسان لا يدخل قراراته وحده.

يدخل إليها ومعه طفولته، وخوفه، وتجارب خذلانه، والكلمات التى سمعها ذات يوم وظلت عالقة فى مكان ما داخله.

قد يرفض رجل فرصة جيدة لأنه يقول: «لا أحب المخاطرة»، بينما الحقيقة أنه يخاف أن يفشل.

وقد تتمسك امرأة بعلاقة انتهت لأنها تقول: «أنا وفية»، بينما تخاف فى أعماقها أن تبدأ وحدها.

وقد يرفض شخص الاعتذار لأنه يقول: «لى كرامتى»، بينما يكون كبرياؤه هو الذى يمنعه.

المشكلة ليست دائمًا فى القرار.

أحيانًا المشكلة فى الدافع الذى يقف خلف القرار.


وهذا ما يجعل النفس الإنسانية معقدة.

فأنت قد تريد شيئًا، ثم تخافه عندما يصبح قريبًا.

وقد تكره سلوكًا فيمن حولك، ثم تكتشف أنك تفعله عندما تُستفز.

وقد تقسم ألا تصبح مثل شخص أذاك، ثم تمر السنوات وتجد بعض كلماته تخرج من فمك.

لماذا؟

لأن الإنسان لا يتخلص من الأشياء بمجرد رفضها.

بعض ما نرفضه يظل يعيش داخلنا دون أن نشعر.

قد نترك المكان، لكن لا نترك أثره.

وقد نبتعد عن الشخص، لكن صوته يظل فى رؤوسنا.

وقد ننضج فى العمر، بينما بعض مخاوفنا ما زالت فى عمر اللحظة التى ولدت فيها.


لهذا فإن معرفة النفس ليست أن تعرف ما تحب وما تكره فقط.

أن تعرف نفسك يعنى أن تعرف لماذا تفعل ما تفعل.

لماذا تغضب بهذه السرعة؟

لماذا تحتاج إلى إعجاب الآخرين؟

لماذا يصعب عليك أن تقول «لا»؟

لماذا تتمسك بشخص يؤذيك؟

لماذا تخاف من الفشل أكثر مما ترغب فى النجاح؟

لماذا تشعر بالذنب كلما اخترت نفسك؟

ولماذا تحتاج أحيانًا إلى أن يصفق لك الآخرون حتى تصدق أنك نجحت؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا.

لأن الإنسان الذى لا يعرف ما يحركه، يمكن أن تقوده أشياء لا يراها.


وقد يكون أكثرها خفاءً هو الحاجة إلى أن تكون مقبولًا.

إنسان يوافق على كل شيء حتى لا يغضب منه أحد.

يبتسم وهو متعب.

يقول «لا مشكلة» بينما المشكلة تملأ صدره.

يتنازل مرة، ثم مرة، ثم يصبح التنازل جزءًا من شخصيته.

وعندما يسأله أحد:

«لماذا لا ترفض؟»

يقول:

«أنا طيب.»

لكن الطيبة ليست أن تخسر نفسك حتى لا يخسرك الآخرون.

هناك فرق بين الرحمة وبين الخوف من الرفض.

وبين الكرم وبين العجز عن وضع حدود.

وبين أن تحب الناس وبين أن تحتاج إلى رضاهم طوال الوقت.


وفى الجهة الأخرى، هناك من بنى حول نفسه سورًا من القوة.

لا يطلب.

لا يعتذر.

لا يعترف بأنه تألم.

لا يسمح لأحد أن يرى ضعفه.

يقول:

«أنا لا أحتاج أحدًا.»

وقد يبدو قويًا.

لكن الإنسان الذى لا يسمح لأحد بالاقتراب منه قد لا يكون قويًا كما يظن؛ ربما يكون فقط خائفًا من أن يُصاب مرة أخرى.

وهنا تصبح القوة نفسها قناعًا.

والكبرياء يصبح حارسًا لجرح قديم.


نحن نحتاج إلى الصدق مع أنفسنا أكثر مما نحتاج إلى الدفاع عنها.

أن تستطيع أن تقول:

«نعم، أنا خائف.»

هذه ليست هزيمة.

وأن تقول:

«أخطأت.»

ليست إهانة.

وأن تقول:

«أنا لا أعرف.»

ليست نقصًا.

وأن تقول:

«أحتاج إلى المساعدة.»

ليست ضعفًا.

الإنسان لا يصبح أقوى عندما ينكر ضعفه، بل عندما يعرفه فلا يسمح له بأن يقوده.


وهنا يأتى المعنى الذى يجعل علاقتنا بأنفسنا مختلفة عن مجرد التحليل النفسى.

النفس تحتاج إلى تهذيب، لا إلى تدليل دائم.

نحتاج أن نفهمها، لكن لا أن نبرر لها كل شيء.

أن نرحمها، لكن لا نتركها لكل رغبة.

أن نعترف بجرحها، لكن لا نستخدم الجرح عذرًا لإيذاء الآخرين.

قد تكون قد تعرضت للظلم، لكن هذا لا يمنحك حق ظلم غيرك.

وقد تكون طفولتك صعبة، لكنك حين تكبر تصبح مسؤولًا عن الطريقة التى تعالج بها ما تركته تلك الطفولة فيك.

الماضى قد يفسر بعض سلوكك…

لكنه لا يجب أن يكتب بقية حياتك.


وهذه مسؤولية ثقيلة.

لأن أسهل شيء أن تلوم ما حدث لك.

أبوك.

أمك.

عملك.

زوجك.

زوجتك.

المجتمع.

الظروف.

لكن أصعب لحظة هى أن تقول:

«كل هذا أثر فيّ… لكن ماذا سأفعل أنا الآن؟»

هنا تنتقل من دور الضحية إلى دور الإنسان.

لا لأنك أصبحت مسؤولًا عن كل ما حدث لك، بل لأنك أصبحت مسؤولًا عن الخطوة التالية.


وفى الحياة العملية تظهر هذه الحقيقة بوضوح.

مدير لا يفوض فريقه، لأنه يخشى أن ينجح أحدهم أكثر منه.

موظف لا يطلب ترقية، لأنه أقنع نفسه أنه غير مستعد.

صاحب مشروع يؤجل البداية حتى يضمن النجاح.

شخص يرفض تغيير عمله رغم أنه يكرهه، لأنه يخشى فقدان الأمان.

كل واحد منهم لديه تفسير منطقى.

لكن خلف المنطق قد توجد نفس خائفة.

وهنا لا يكفى أن تسأل:

«ما القرار الصحيح؟»

بل يجب أن تسأل:

«من الذى يتحدث داخلى وأنا أتخذ القرار؟»


ربما تكون هذه من أصعب الأسئلة التى يمكن أن يطرحها الإنسان على نفسه.

لأنك قد تكتشف أن بعض طموحاتك لم تكن لك.

كنت تريد المال لأن الجميع أخبروك أن المال دليل النجاح.

وتريد المنصب لأنك تريد أن تثبت شيئًا لشخص قلل منك.

وتريد الشهرة لأنك تخاف أن تكون عاديًا.

وتريد أن يراك الناس قويًا لأنك لم تستطع يومًا أن تصالح ضعفك.

وقد تصل إلى ما أردت…

ثم لا تجد السعادة التى وعدتك بها الرحلة.

ليس لأن النجاح كذبة.

بل لأنك كنت تطارد شيئًا آخر خلفه.


ولهذا فإن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يتوقف.

لا ليترك الحياة.

بل ليسمعها.

أن يسأل نفسه بعيدًا عن الضجيج:

«ماذا أريد حقًا؟»

ثم يسأل السؤال الأصعب:

«هل أريده أنا، أم أريد أن يراني الناس وأنا أملكه؟»

فرق صغير فى الكلمات…

وقد يكون فرقًا هائلًا فى العمر الذى ستعيشه.


وفى النهاية، ربما لا تكون المشكلة أننا لا نعرف أنفسنا.

ربما نحن نعرفها أكثر مما نعتقد، لكننا نخاف ما ستقوله لنا إذا أنصتنا إليها.

نعرف العلاقة التى انتهت.

نعرف العمل الذى لم يعد يشبهنا.

نعرف الاعتذار الذى تأخر.

نعرف الحلم الذى تركناه.

نعرف العادة التى تؤذينا.

نعرف الشخص الذى أصبحنا عليه.

لكن المعرفة وحدها لا تكفى.

لابد من شجاعة مواجهة الحقيقة.

لأنك حين تعرف نفسك ولا تفعل شيئًا، تصبح المعرفة عبئًا.

أما حين تعرفها وتبدأ فى إصلاحها…

فأنت تستعيد شيئًا أهم من الراحة:

تستعيد حقك فى أن تختار.

وربما لهذا لم يكن السؤال الحقيقى منذ البداية:

من يقرر عنك؟

بل:

من هو الإنسان الذى يقرر داخلك؟

فإذا عرفته، استطعت أن تحاسبه.

وإذا حاسبته، استطعت أن تهذبه.

وإذا هذبته، بدأت قراراتك تخرج من وعيك، لا من خوفك القديم.

وعندها فقط…

تبدأ حياتك فى التشبه بك.

رسالة الفصل

لا يمكنك أن تختار حياتك بصدق قبل أن تفهم الإنسان الذى يتخذ الاختيار داخلك؛ فمعرفة النفس ليست رفاهية، بل أول خطوة لاستعادة إرادتك.

تمهيد الفصل الرابع

لكن الإنسان لا يعيش داخل نفسه وحدها.

فحتى عندما يعرف ما يريد، قد يتراجع.

ليس لأنه خائف من القرار هذه المرة…

بل لأنه بدأ يسمع أصواتًا أخرى.

صوت الأب.

وصوت الأم.

وصوت الأصدقاء.

وصوت المجتمع.

وصوتًا أخطر من كل ذلك:

الصوت الذى يقول له:

«ماذا سيقول الناس؟»

ومن هنا تبدأ حكاية الفصل الرابع.