مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها بقلم هانى الميهى

كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها
هانى الميهى

مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟
الفصل الرابع

ماذا سيقول الناس؟

هناك قرارات لا نتراجع عنها لأننا لا نريدها، ولا لأننا نخاف نتائجها، بل لأننا نتخيل وجهًا لا نراه، وصوتًا لا نسمعه، وحكمًا لم يصدر بعد.

نقف أمام خطوة جديدة، ثم نتخيل الناس.

ماذا سيقول أبي؟

ماذا ستقول أمي؟

ماذا سيظن أصدقائي؟

هل سيضحكون؟

هل سيقولون إنني فشلت؟

هل سيروننى مختلفًا؟

وهكذا، قبل أن نخطو خطوة واحدة، يكون الآخرون قد جلسوا داخل رؤوسنا وبدأوا فى التصويت.

والغريب أننا أحيانًا لا نعرف حتى إن كانوا سيقولون شيئًا.

نحن فقط نخاف أن يقولوا.


قد يقرر شاب أن يترك وظيفة لا يحبها.

يحسب الأمر.

يعرف أن دخله لن يتوقف تمامًا، وأن لديه فرصة أخرى، وأن البقاء سنوات إضافية قد يجعله أكثر تعبًا.

لكنه حين يخبر أحدًا بفكرته، يسمع:

«ستترك الوظيفة؟ الناس تتمنى مكانك.»

فيتراجع.

ليس لأنه اقتنع.

بل لأنه شعر أن قراره أصبح يحتاج إلى موافقة.

بعد سنوات، قد يجلس فى المكتب نفسه، ينظر إلى النافذة، ويتساءل:

«ماذا لو كنت قد ذهبت؟»

وقد لا تكون المشكلة أنه أخطأ حين بقي.

ربما كانت المشكلة أنه لم يعرف لماذا بقي.


نحن نبالغ أحيانًا فى تقدير أعين الناس.

نتخيل أنهم يراقبوننا طوال الوقت.

بينما الحقيقة البسيطة أن معظم الناس مشغولون بأنفسهم أكثر مما هم مشغولون بنا.

الشخص الذى تخاف أن يضحك عليك قد يكون منشغلًا أصلًا بمشكلة فى بيته.

والذى تخشى حكمه قد يعود إلى منزله ليقلق بشأن مستقبله.

والذى تظن أنه يراقب نجاحك ربما لا يعرف حتى تفاصيل حياتك.

ومع ذلك…

نمنحهم سلطة هائلة.

نضع قرارنا أمام أشخاص لم يطلبوا أن يقرروا.

ثم نلومهم لأنهم تدخلوا.


وهنا يبدأ الفرق بين احترام الناس والعيش من أجل الناس.

أن تحترم رأى من يحبك أمر طبيعى.

أن تستشير صاحب خبرة أمر ناضج.

أن تسمع نصيحة والديك أمر قد يكون من البر.

لكن أن تتحول النصيحة إلى أمر، والرأى إلى حكم، والقبول إلى شرط للحياة…

فهنا فقدت شيئًا من نفسك.

ليس المطلوب أن تقول:

«لا يهمنى أحد.»

هذه ليست حرية.

قد تكون أنانية.

المطلوب أن تقول:

«أسمع الجميع، لكننى لا أُسلّم حياتى لأحد.»


كم إنسانًا درس ما لا يحب؟

ليس لأنه اختار.

بل لأن أحدًا قال له:

«هذه المهنة لها مستقبل.»

وكم شخص تزوج لأن الجميع قالوا:

«هذه فرصة لا تعوض.»

ثم اكتشف أن الجميع سيعودون إلى بيوتهم بعد الحفل…

وهو وحده سيعيش تفاصيل الزواج.

وكم شخص استمر فى مشروع لا يريده لأن الاعتراف بالفشل أمام الآخرين كان أصعب عليه من خسارة المال.

وكم شخص لم يبدأ أصلًا، لأن فكرة أن يفشل أمام الناس كانت أكثر رعبًا من أن يفشل بعيدًا عنهم.


وهنا نصل إلى شيء خطير:

قد يصبح الإنسان أسيرًا لصورته عن نفسه أمام الآخرين.

لا يعود يسأل:

«ماذا أريد؟»

بل:

«كيف سأبدو؟»

وهذا السؤال قادر على تغيير حياة كاملة.

قد ترفض الاعتذار حتى لا تبدو ضعيفًا.

قد ترفض الاستقالة حتى لا تبدو فاشلًا.

قد تبقى فى علاقة حتى لا تبدو مهزومًا.

قد تنفق مالًا لا تملكه حتى لا تبدو أقل من غيرك.

قد تتحدث بثقة وأنت لا تعرف، حتى لا يقال إنك جاهل.

ثم تكتشف بعد سنوات أنك لم تكن تحمى حياتك…

كنت تحمى صورتك.


والصورة لا تشبع.

إذا أردت أن تكون دائمًا الرجل القوى، فلن تستطيع أن تقول «تعبت».

وإذا أردت أن تكون دائمًا الناجح، فلن تستطيع أن تعترف بالفشل.

وإذا أردت أن يراك الناس حكيمًا، ستخاف أن تقول «لا أعرف».

وإذا أردت أن تكون محبوبًا من الجميع، ستضطر إلى خيانة نفسك كلما اختلفت رغبتك مع رغباتهم.

وهكذا تتحول الصورة إلى سجن أنيق.

لا قضبان فيه.

ولا حارس.

فقط خوف دائم من أن يراك أحد كما أنت.


وهذا الخوف قد يدخل حتى إلى علاقتنا بالله إذا لم ننتبه.

قد يفعل الإنسان الخير لأن الناس يرونه.

وقد يتوقف عن فعل الصواب لأنه يخشى كلامهم.

وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد «رأى الناس».

لأن الإنسان حين يجعل نظر الآخرين معيارًا دائمًا، يفقد شيئًا من صدق نيته.

أن تفعل الصواب لأنك تؤمن به، حتى لو لم يصفق لك أحد، أصعب بكثير من أن تفعله أمام جمهور.

والإنسان الذى يتعلم أن الله يرى ما لا يراه الناس، يبدأ تدريجيًا فى التحرر من الحاجة المستمرة إلى إثبات نفسه أمامهم.

ليس معنى ذلك أن نحتقر كلام الناس.

بل أن نعرف حجمه.

رأيهم معلومة.

وليس حكمًا نهائيًا.


تخيل رجلًا قرر أن يبدأ مشروعًا صغيرًا.

أخبر أحد أقاربه.

فضحك.

قال له:

«أنت؟ مشروع؟»

ضحك الآخرون.

تراجع.

بعد عام، ظل فى وظيفته، ولم يتغير شيء.

قد يكون المشروع فشل لو بدأه.

وقد يكون نجح.

لن نعرف.

لكننا نعرف شيئًا واحدًا:

أنه لم يمنح نفسه فرصة لمعرفة الإجابة.

وهذه من أقسى خسائر الإنسان.

أن تخسر شيئًا لم تجربه.

أن تقول «لا» لفرصة لأن شخصًا آخر قال «لا».

أن تموت بعض أحلامك لا لأنها مستحيلة، بل لأنها لم تجد منك الشجاعة الكافية لتعيش.


لكن علينا أن نكون عادلين.

ليس كل رفض لرأى الناس خوفًا.

أحيانًا يكون رأيهم صحيحًا.

وقد يرى صديق ما لا تراه.

وقد ينبهك والدك إلى خطر لا تنتبه إليه.

وقد يقول لك مديرك شيئًا مؤلمًا لكنه ضروري.

الحرية ليست أن تغلق أذنيك.

الحرية أن تسمع…

ثم تفكر.

أن تعرف الفرق بين النصيحة والسيطرة.

بين الخوف عليك والخوف منك.

بين من يريد مصلحتك ومن يريد أن تبقى نسخة تشبه ما اعتاد عليه.


وأحيانًا لا يريد الناس منك أن تفشل.

هم فقط لا يريدونك أن تتغير.

لأن تغيرك يربك الصورة التى صنعوها عنك.

كنت دائمًا الشخص الذى يقول نعم.

فإذا قلت لا، قالوا:

«لقد تغيرت.»

كنت دائمًا تتحمل.

فإذا وضعت حدودًا، قالوا:

«أصبحت أنانيًا.»

كنت دائمًا تعمل فى الوظيفة نفسها.

فإذا غادرت، قالوا:

«لماذا تترك الأمان؟»

كنت دائمًا تسير فى الطريق المعروف.

فإذا اخترت طريقًا آخر، قالوا:

«أنت تخاطر.»

وقد لا يكونون أشرارًا.

إنهم فقط يعرفون النسخة القديمة منك.

لكن المشكلة أنك أنت من سيعيش النسخة الجديدة.


وهنا يجب أن تتعلم شيئًا صعبًا:

ليس كل من يحبك يعرف ما يناسبك.

قد يحبك شخص بصدق…

ثم يعطيك نصيحة لا تناسب حياتك.

ليس لأنه سيئ.

بل لأنه يرى العالم من موقعه هو.

الأب ينظر من خوفه على ابنه.

والصديق ينظر من تجربته.

والمدير ينظر من مصلحة العمل.

والزوج ينظر من احتياجاته.

وأنت وحدك تعيش تفاصيل حياتك من الداخل.

لذلك لا يكفى أن تسأل:

«ماذا قالوا؟»

اسأل:

«هل هذا يناسب الحقيقة التى أعيشها؟»


والدين هنا لا يطلب منك أن تتحول إلى إنسان يعيش ضد الناس.

بل يحررك من أن تجعل الناس إلهًا خفيًا فى حياتك.

فالناس يرضون اليوم ويغضبون غدًا.

يمدحونك فى موقف، وينتقدونك فى آخر.

وقد تفعل الصواب ويختلفون معك.

وقد تخطئ ويصفقون لك.

لذلك لا يمكن أن يكون رضاهم الميزان الوحيد.

هناك ميزان أعمق:

أن تعرف ما الذى يرضى الله، وما الذى يحفظ كرامتك، وما الذى يتفق مع مسؤوليتك، وما الذى تستطيع أن تنظر إليه بعد سنوات دون أن تخجل من نفسك.


ولعل أصعب لحظة هى أن تختار شيئًا تعرف أن البعض لن يفهمه.

هنا تظهر حقيقة الاستقلال.

ليس عندما توافق على الجميع.

بل عندما تستطيع أن تختلف دون أن تكرههم.

أن تقول:

«أحترم رأيك… لكننى سأختار.»

دون غضب.

ودون استعراض.

ودون رغبة فى إثبات أنك على حق.

فأنت لست مطالبًا بتحويل كل قرار فى حياتك إلى معركة.

أحيانًا يكفى أن تمضى.


هناك أشياء لا تحتاج إلى إعلان.

لا تحتاج أن تخبر الناس لماذا غيرت عملك.

ولا لماذا أنهيت علاقة.

ولا لماذا بدأت من جديد.

ولا لماذا اخترت طريقًا مختلفًا.

كلما زاد احتياجك إلى شرح حياتك للآخرين، زادت احتمالية أن تتحول حياتك إلى قضية مفتوحة للنقاش.

بينما بعض القرارات…

يكفي أن تكون واضحًا فيها مع نفسك.


وقد تكتشف فى النهاية أن الناس لم يكونوا المشكلة الأكبر.

المشكلة أنك كنت تنتظر منهم الإذن.

كنت تريد أن يقولوا:

«نحن موافقون.»

قبل أن تبدأ.

وهذا لن يحدث دائمًا.

لأن كل إنسان يرى حياتك من مكان مختلف.

والقرار الذى قد يبدو شجاعًا بالنسبة لك قد يبدو متهورًا لغيرك.

والقرار الذى يبدو منطقيًا للناس قد يكون مؤلمًا لك.

لذلك لا يمكن أن تعيش حياتك عبر استفتاء دائم.


فى إحدى اللحظات، سيأتي قرار لا تستطيع تأجيله.

ستقف أمامه.

ستسمع أصواتًا كثيرة.

لكن وسط كل هذه الأصوات، سيكون هناك صوت واحد يجب ألا تفقده:

صوتك أنت.

ليس الصوت الذى تحركه الرغبة وحدها.

ولا الصوت الذى يقوده الغضب.

ولا الصوت الذى يريد أن يثبت شيئًا للآخرين.

بل صوت الإنسان الذى عرف نفسه، وفهم خوفه، واستشار، وفكر، ثم اختار.

عندها فقط يصبح القرار قرارًا.


قد لا يصفق لك أحد.

وقد لا يفهمك الجميع.

وقد يقول شخص كنت تتمنى رضاه:

«لقد أخطأت.»

ومع ذلك…

قد تكون هذه المرة أقرب إلى نفسك من أى وقت مضى.

لأنك لم تختر الطريق الذى يرضى الجميع.

ولم تختر الطريق الذى يخيفك.

ولم تختر الطريق الذى يثبت شيئًا.

اخترت الطريق الذى تستطيع أن تعيش معه بصدق.

وهذا يكفى.

رسالة الفصل

احترم الناس، واستمع إليهم، واستشر من تثق بحكمته؛ لكن لا تجعل حياتك ثمنًا لرضاهم.

تمهيد الفصل الخامس

لكن المشكلة لا تنتهى عندما نتوقف عن سؤال الناس.

فقد نكتشف شيئًا أكثر إيلامًا:

أن الطريق الذى يسير فيه كثيرون أمامنا قد أصبح مألوفًا إلى درجة أننا لم نعد نسأل إن كان طريقنا أصلًا.

نختار الدراسة التى اختارها الآخرون.

والعمل الذى يرونه مناسبًا.

والنجاح الذى رسموه لنا.

حتى نستيقظ يومًا ونكتشف أننا قطعنا مسافة طويلة…

لكننا كنا نسير فى طريق اختاره لنا الآخرون.

وهنا يبدأ الفصل الخامس.