لِسُهيلة أحمد عامر
كان صباح يوم صيفي حار، والساعة بالكاد تجاوزت السابعة صباحًا. استيقظت فاطمة كعادتها مبكرًا لتحضير نفسها للذهاب إلى عملها. بعد أن تناولت فطورها الخفيف، خرجت متجهة إلى محطة الحافلات القريبة من منزلها.
كانت الشوارع مزدحمة بالناس، كلٌ في طريقه إلى يومه المزدحم. وصلت الحافلة بعد انتظار دام دقائق بدت طويلة بسبب حرارة الجو. كالعادة، كانت الحافلة ممتلئة بالركاب، لكن فاطمة استطاعت أن تجد مقعدًا بجوار النافذة.
جلست، أخرجت كتابًا من حقيبتها، وبدأت تقرأ محاولة الهروب من ضوضاء الركاب المحيطين بها. مع مرور الوقت، توقفت الحافلة في إحدى المحطات وركب المزيد من الركاب. بين هؤلاء الركاب، دخلت امرأة عجوز تتكئ على عصاها، وبدا عليها الإرهاق.
نظرت فاطمة حولها لتجد جميع المقاعد مشغولة، ولا أحد يبادر للتنازل عن مقعده. شعرت بواجبها تجاه العجوز، فنهضت فورًا ودعتها للجلوس.
قالت بابتسامة لطيفة: “تفضلي يا خالتي، اجلسي هنا.”
شكرتها العجوز بصوت خافت قائلة: “جزاكِ الله خيرًا يا ابنتي. ما عدت أملك من القوة ما يمكنني من الوقوف طويلاً.”
جلست العجوز، وأخذت الحافلة تتحرك مجددًا. لم يمض وقت طويل حتى بدأت العجوز تتحدث مع فاطمة. كان صوتها ضعيفًا لكنه دافئ. قالت:
“يا بنيتي، هذا اليوم يذكرني بيوم من الماضي. قبل خمسين عامًا، ركبت حافلة كهذه، وكان يومًا عاديًا جدًا… أو هكذا ظننت.”
رفعت فاطمة حاجبيها باهتمام وقالت: “وما الذي حدث؟”
تنهدت العجوز وكأنها تستعيد ذكرى عزيزة، ثم تابعت:
“كنت فتاة صغيرة، في مثل عمرك ربما. لم أكن أملك شيئًا سوى أحلام بسيطة عن حياة مستقرة. كنت أقف في الحافلة لأن المقاعد كانت ممتلئة، تمامًا كما حدث اليوم. فجأة، قام شاب من مقعده وأصر أن أجلس مكانه. كان لطيفًا جدًا، وابتسامته مليئة بالاحترام.”
ابتسمت فاطمة وقالت: “وماذا حدث بعد ذلك؟”
ضحكت العجوز وقالت: “بدأنا نتحدث، كما نفعل الآن. اكتشفت أنه كان في طريقه إلى مقابلة عمل، وكان متوترًا جدًا. شجعته على ألا يقلق، وأخبرته أن الأمور ستسير على ما يرام. في نهاية الرحلة، تبادلنا عناويننا البريدية، لأن الهواتف لم تكن متوفرة في ذلك الوقت.”
صمتت العجوز للحظة، ثم أضافت: “ذلك الشاب أصبح زوجي. عشنا معًا خمسين عامًا مليئة بالحب والاحترام. كان اللقاء في الحافلة مجرد صدفة، لكنه غير حياتي بالكامل.”
شعرت فاطمة بقشعريرة تسري في جسدها. لم تتوقع أن تكون بادرة بسيطة مثل التنازل عن مقعد قد تقود إلى قصة حب عظيمة.
عندما وصلت الحافلة إلى المحطة التالية، وقفت العجوز، شكرت فاطمة مجددًا ونزلت ببطء. جلست فاطمة مكانها وهي تشعر بمزيج من الدفء والدهشة. كانت القصة التي سمعتها تذكرها بأن الحياة مليئة بالمفاجآت، وأن لطفًا بسيطًا يمكن أن يترك أثرًا يدوم للأبد.
في ذلك اليوم، عندما عادت فاطمة إلى منزلها، لم تستطع التوقف عن التفكير في حديث العجوز. أدركت أن الحياة قد تحمل في طياتها لحظات بسيطة لكنها عظيمة، لحظات قد تغيّر المصير بأكمله دون أن ندرك ذلك.
𝓦𝓡 𝓗𝓪𝓲𝓵𝓪
#إبداعات-سهيلة-الأدبية.






المزيد
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ
الكنز : بقلم: سعاد الصادق