كتبت ملاك عاطف
لدَيَّ ذاكِرةٌ قوِيّةٌ وضعيفةٌ وصغيرةٌ وكبيرةٌ ومزدحِمةٌ وفارِغةٌ وموسوعة، أو لي سبعُ ذاكِراتٍ تَعْرِفُ كُلُّ واحِدةٍ غُرْفَتَها في عَقْلي ولا تتعدّى حُدودَها، سبعُ غُرفٍ تُشْبِهُ الكَواكبَ، تسبحُ تفاصيلُها في وسطِ الخلايا المِليارِيّة، وتحَرِّكُ بلُطْفٍ حلقاتِ وصلاتِها العَصَبِيّة، فتُصْدِرُ خشخشةً ذاتِ رَنينٍ طربِيٍّ يُحاكي أجراسَ خلخالِ حورِيّةٍ تائِهةٍ في عُمْقِ مُحيطاتِ الذِّكريات.
أمّا القَوِيّةُ فتقفِزُ فيها الذِّكرَياتُ في أحواضِ الطُّفولةِ، وتلهو في بِرَكِ أيّامِ الدِّراسةِ مُتَراشِقةً بمِياهِ الزَّمَنِ الجميل، أو تَجْلِسُ في حِضْنِ أبيها بِدَلالٍ، فيُطَوِّقُها بذِراعِ حُبِّهِ، ويُربِّتُ على أكتافِها بِكَفّةِ أُبُوّتِهِ الغَزيرةِ بالعطف.
وأمّا الّضَعيفةُ فتُغْلِقُ دفَّتَيْها على صُوَرٍ مُظَلّلةٍ بالإبهامِ لِمَواقِفَ كادَت تنكتُ فُؤادي غيرَ أنَّها تَحَرّرَتْ مِنْ سِجْنِ العِتابِ بمَرْسومِ عفْوٍ منسوخٍ مِن سجِلِّ رحمةِ نَبِيِّنا المُلَوَّنِ بألوانِ الحِلْمِ والسَّماحةِ الزّاهِية.
وأمّا الصَّغيرةُ فَمُتَكَوِّرةٌ بِانكِماشٍ على فسيلةِ أُمْنِيةٍ غرسْتُها بِنُعومةِ أظافِري في أرضِ المُسْتَقْبَلِ، فنما لها ساقُ قضاءٍ فارِعٍ مُنْتَهٍ بعِرقِ احتِسابٍ معقودةٌ بِهِ ثمرةُ عسلٍ أنضجَتْها شمسُ القَدر، ثُمَّ غلَّفَتْها شموعٌ رقيقةٌ مِن طيبِ الجنّةِ مكتوبٌ عليها بماءِ الزمُرُّدِ الخالِصِ بِخَطٍّ ملائِكيٍّ عَريضٍ مُقَدَّس: “مَلاك”.
وأمّا الكَبيرةُ فتبدو كساحةِ عِبَرٍ مُتَرامِيةٍ مُمْتَدّةٍ مِن أقصى يمينِ رأسي لأقصى شِمالِهِ، وتَتَربَّعُ على بَلاطِ رُقِيِّها البَهِيِّ تَجارِبي المُخْتَلِفة مُرْتَدِيةً قُبَّعاتِ تَرْبِيةٍ وياقاتِ صَقل.
وأمّا المُزْدَحِمةُ فَفيها ذرّاتٌ مِن تفاصيلَ صغيرةٍ مُتَكَدِّسة، تلمَعُ مِن شِدّةِ أهَمِّيَّتِها، فيَلْتَفِتُ لها دِماغي، فينكُزُ قلبي، فينبِضُ لها بدفءٍ ورِقّة “تويك، تويك، تويك”، ثُمَّ يلُفُّ سواعِدَها بِشرائِطَ حمراءَ مُزَرْكَشةٍ بِنُقوشاتِ الخُلود، ويترُكُها ترتَعُ في حُقولِ الدّيبومين؛ مُنْتَظِرًا قدومَ رُفَقاءَها الجُدُد.
وأمّا الفارِغةُ ففيها مقاعدُ وردِيّةٌ فخمةٌ مُجَلّلَةٌ بحَريرِ العَزيمة؛ اسْتِعْدادًا لاسْتِقْبالِ إنجازاتٍ كبيرةً تَليقُ بِها.
وأمّا الأخيرةُ فموسوعةٌ تضُمُّ عددًا لا نِهائِيًّا مِن صفحاتِ التَّذَكُّرِ، بعْضُها خُطَّ بالآيِ والعِلمِ والأدب والتّراجِم، وبعضُها يُخْلي بياضَهُ؛ استِعدادًا لاسْتِقْبالِ المَزيدِ مِنَ الكَلِمِ القيِّم.
لي ذاكِرةٌ أو سبعُ ذاكِراتٍ مُرتَّبة، مقصورةٌ في حُدودِها، مخبوءةٌ في أرفعِ مَكانةٍ عندي.
لي ذاكِرةٌ أو سبع.






المزيد
وإن مُتُّ؟ بقلم إسراءحسن عبدالله
من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى
بين الكلام والفعل بقلم ابن الصعيد الهواري