مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كن كما انت

 

كتبت: هبة أحمَد كامِل

كُنت مغيبة بكل ما تعنيه الكلمة، لا أعلم ماذا عليَّ فعله، وماذا أختار؟ فوجدت نفسي ذاهبة إلى صديقتي، لتدلني على ما أفعله…
-معقول يابنتي هتوافقي على واحد مبيحبكيش؟؟
-أعمل ايه يعني ياسلمى، ما أنتِ عارفه إني موافقة عشان بابا، وهيضايق مني ويقلب الدنيا لو رفضت.
-يابنتي ده بيآخد القعدة كلها تريقة عليكِ وهيتجوزك بس عشان فلوس أبوكِ، ما بالك بعد الجواز بقى!
-افهميني، بقولك غصب عني.. غصب عني.
-مفيش مبرر يخليكِ تتورطي في جوازة بالشكل ده، فُوقي ياحور.
-يووه بقى أنا ماشية، مش ناقصة تأنيب ضمير أكتر من كده.

-غادرتُ المكان وكنت على يقينٍ بأن سلمى معها حق، لكن داخلي كان ينهار. بدأتُ أتذكر كل ما مررتُ به منذ وفاة والدتي حين كنتُ طفلة، كيف تحولت حياة والدي إلى مجرد عمل لا يتوقف، وكيف لم أجد من يحتويني. كان شكلي المختلف بالنسبة لي مأساةً، فقد عشت أزمة نفسية جعلتني عاجزة حتى عن مواجهة نفسي.

-عانيتُ منذ صغري بسبب لون بشرتي السمراء، ولأني لم أكن على قدرٍ كافٍ من الجمال كما يرونه. كان زملائي في المدرسة يسخرون مني دائمًا، وحتى حين كبرت ودخلت الجامعة، ظلَّ التنمر يلاحقني، وما زلت أعاني منه حتى اليوم.

-أما من كانوا يتقدمون لخطبتي، فكانوا يفعلون ذلك فقط طمعًا في ثروة والدي، ليحصلوا على الميراث بعد وفاته، تلك الثروة التي لا تعني لي شيئًا إن لم أجد من يحبني لذاتي، بعيوبي قبل مميزاتي.

-وحين رفضتُ أكثر من مرة، ضاق والدي ذرعًا بي، وأخبرني أنه سيقاطعني إن لم أوافق على آخر عريس. لم يكن يقسو عليّ، بل كان خائفًا من أن يرحل عن الدنيا ويتركني وحيدة. هو مصاب بالسرطان، ويعلم أن وقته قد لا يكون طويلًا.

-اضطررتُ للموافقة على عمر، أكثر شخص أكرهه، لأنه كان دائمًا يسخر مني، وقالها صراحة: “أنا اتقدمتلك عشان آخد ورثك.” كلمات كالسكاكين، قاسية ومهينة، كفيلة بأن تدفعني نحو حافة الانهيار. لكنّي كنت دائمًا أردد: لي ربٌّ لا ينسى.

-فاضي يسطا!
-آه تعالي يا آنسة.
-وديني على دار الكتب بعد إذنك.
-حاضر.

-وصلنا، لكن فجأة شعرت بدوار شديد.

-وصلنا يا آنسة.. يا آنسة، دي أُغمى عليها دي ولا حصلها إيه، فوقي الله يسترك، فوقي!

-أخذني السائق إلى المستشفى، وتبين أنني أعاني من هبوط حاد. قال الطبيب إن حالتي النفسية سيئة للغاية. لا أعلم لماذا اهتمَّ بي هذا السائق، لكنه بقي يسأل عني.

-عامله ايه دلوقتي؟
-الحمدلله بخير، هو أنا جيت هنا إزاي؟
-يدوب وصلتِ المكان لقيتك أُغمى عليكِ، حاولت أفوقك معرفتش، فـ جبتك هنا.
-شكرًا ليك جدًّا على اللي عملته معايا.
-الشكر لله، أنا معملتش حاجة.

-صمت للحظة، ثم قال:

-الدكتور بيقول إنه جالك هبوط حاد ونفسيتك وحشة جدًّا، ليه تاعبة نفسك؟ مفيش حاجة تستاهل.
-كل واحد عنده همومه، والحياة بتقسى علينا وبتحطنا في اختبارات أقوى مننا بكتير.
-أنتِ اللي فاهماها غلط، ربنا بيقول “وخَلقنا كل شيء بقدر”، يعني خلقك وخلاكِ وسط مشاكلك دي كلها عشان أنتِ قوية وقادرة تتخطيها.
-ونِعم بالله، بس أنا الحياة قاسية عليَّا جدًّا الفترة دي، عشان كده نفسيتي وحشة.
-مهما كانت همومك، ارميها على ربنا وتوكلي عليه، وتأكدي إنه هيعينك وهينصفك.
-يارب… ادعيلي يا.. صحيح اسمك إيه؟
-مصطفى، اسمي مصطفى.
-تشرفت بيك جدًّا، بس مش غريبة بالظروف اللي أنت فيها دي، وعندك اليقين ده كله!
-عشان اتعودت أقول يارب، وربنا بيستجيب. اتربيت إني أطلب الرزق بالحلال، والحمدلله، بظروفي دي زي ما بتقولي، قادر أعول أسرة وأجهز أختي كمان.
-ربنا معاك، وبجد نفسي أوصل لدرجة اليقين والسلام النفسي دي.
-يارب، المهم حمدلله على سلامتك.
-الله يسلمك، يدوب أروح بقى.

-غادرت معه وأنا أشعر أن نظرتي للحياة بدأت تتغير قليلًا. الكل يعاني، ولكن بدرجات مختلفة. وفجأة قطع شرودي صوته:

-التاكسي عطل.
-هتتصرف إزاي دلوقتي؟ مفيش ميكانيكي هنا.
-متقلقيش، أنا اتصلت بميكانيكي، ساعتين وهييجي.
-ساعتين بحالهم؟
-مضطرين نستنى. تقدري تركبي تاكسي تاني، وأنا هستنى.
-لا، بعد المعروف اللي عملته فيا، مستحيل أسيبك.
-زي ما تحبي.
-هستنى، كده كده معنديش حاجة أعملها.
-طيب حيث كده، تعالي أعزمك على حاجة نشربها.
-لا لا، معييش فلوس تكفي.
-بقول أعزمك، هو أنا قلت هتدفعي؟
-لا لا، ميصحش.
-طيب اعتبريها دين، وابقي رديه لو اتقابلنا تاني.
-خلاص، ماشي.

-ذهبنا معًا إلى مقهى بسيط، وبدأنا نتحدث. لا أعلم ما السبب، لكني شعرت براحةٍ معه وكأنني أعرفه منذ زمن.

-تعرفي إن القهوة دي لون عيونك أوي.
-ماما دايمًا بتقولي كده، أصلي طالعة شبهها، مطلعتش لبابا في حاجة.
-ربنا يرحمها، أنا آسف.
-ماتت وأنا صغيرة أوي، ملحقتش أعرفها، ملحقتش أعيش معاها اللي المفروض أي بنت تعيشه مع مامتها. بس بابا قالي إنها كانت طيبة وحنينة أوي… خايفة بابا يسيبني زيها.
-لا اهدي كده، ربنا يحفظه ليكِ ويطول في عمره.

-وفجأة، رنَّ هاتفي.

-أيوه أنا… إيه؟… بابا!!!

-أوقفت أول تاكسي مرّ بي، وذهبت بسرعة إلى المستشفى التي أخبروني بها. دخلت الغرفة، فوجدت والدي مستلقيًا على السرير، وجهه شاحب، وكأنه في عالم آخر. نظرت إلى ملامحه طويلًا وكأنها المرة الأخيرة، ودموعي تسابق أنفاسي.

-ثم شعرت بيدٍ تُربت على كتفي…

-آه معقول! اللي مش معقول إنك تمشي مرة واحدة وأنتِ بتصرخي من غير ما تقولي حتى! خفت جدًا وجبت تاكسي وجيت وراكِ.
-والتاكسي بتاعك؟
-سبته بيتصلّح، هجيبه بعد ما أطمن على والدك.

-دخل الطبيب، وأخبرنا أن والدي دخل في غيبوبة، وأن حالته غير مستقرة، ولا يعلم متى سيفيق. بكيت بكاءً هستيريًا، ووجدته يحاول تهدئتي.

-قولتلك قبل كده، خايفة أخسره… وأهو شكلي خسرته.

-اتصل عمر ليسأل باختصار عن ما حدث، ثم أنهى المكالمة ببرود.

-أنا مش فاضي أجي.

-صرخت فيه:

-الأفضل ليك إنك متجيش، ومشوفش وشك تاني! وانسى إنك خطيبي أصلًا!

-أغلقت الهاتف ووضعت يدي في يد والدي، أتمسك به كأن لمستي وحدها كفيلة بأن تعيده.

-هتفضلي قاعدة كده؟ أنتِ كمان كنتي تعبانة، ولازم ترتاحي.
-مش هقدر أرتاح طول ما بابا تعبان.
-هو دلوقتي بين إيدين ربنا، كل اللي عليكِ تعمليه إنك تدعيله.

-دخل الطبيب ليفحصه، ثم طلب منا المغادرة. وبعد كثير من الإلحاح، غادرتُ، ومصطفى أيضًا.

-تعالي هوصلك، وبعدين أرجع أجيب التاكسي.
-لا، روح أنت، أنا هعرف أروح.
-لا طبعًا، مش هسيبك تروحي لوحدك في وقت زي ده.
-تمام، زي ما تحب.

-مرّت ثلاثة أشهر ونصف، ووالدي لا يزال في غيبوبته. وكان مصطفى يزورنا باستمرار، يسأل عن حالته، ويعرض المساعدة، دون أن يعرف من نحن، أو ماذا نملك.

-وفي أحد الأيام، وأنا متجهة إلى غرفة والدي، سمعت صوتًا جميلًا يتلو القرآن بخشوع، كان صوته يبعث الطمأنينة، اقتربت لأكتشف أنه مصطفى. بقيت واقفة حتى أنهى التلاوة.

-صوتك حلو أوي بجد.
-أنتِ هنا من إمتى؟
-مش مهم من إمتى، المهم إني سمعته، ربنا يبارك فيك ويحفظك.

-حو… حور… حور!
-إيه ده؟ بابا فاق! يادكتور… يادكتوووور!

فحصه الطبيب وقال لي:

-احمدي ربنا يا بنتي، باباكي فاق ورجع له وعيه، وكلها يومين وهيخرج.
-ألف حمد وشكر ليك يارب.
-حمدالله على سلامته يا حور.
-الله يسلمك يا مصطفى، بشكرك أوي على وقوفك جمبنا.

-حمدالله على سلامتك يا حبيبي، قلقتني عليك أوي.
-الله يسلمك يا بنتي… مين ده؟
-ده شخص نادر أوي يا بابا تلاقي زيه دلوقتي.

وحكيت لوالدي كل ما جرى منذ أن التقيت مصطفى.

-شكرًا ليك أوي يا ابني، ربنا يحميك، تعبناك معانا.
-ولا تعب ولا حاجة يا عمي، التعب الحقيقي هيحصل لو رفضت طلبي.
-طلب إيه يا حبيبي؟ قول.
-أنا طالب إيد حور يا عمي.

تجمدت مكاني.

-ده إزاي ده!
-بطلب إيدك، يبقى أكيد عايز أتجوزك… لو معترضة فأنا آسف.
-لا، استنى بس… أنت فاجئتني.
-طيب يا ابني، أنا لسه قدامي يومين هنا، هي هتفكر فيهم وبعدين نرد عليك.

غادر مصطفى، وبقيت أنا مع والدي أحكي له كل شيء. أخبرته أن مصطفى لا يعلم أي شيء عن حالتنا الاجتماعية، وأنه أحبني لنفسي، لا لثروة أبي، كما أخبرته أنني أنهيت علاقتي بعمر.

وافق والدي، وقرر أن يُوظفه معه، وأكد لي أن القرار الأخير لي أنا.

مرّ شهر، وفي يوم خطوبتنا، وجدت نفسي أتصل به لأسأله:

ليه اختارتني أنا؟
-عشان لقيت فيكِ الحاجة اللي ناقصاني وهتكملني… لقيت فيكِ كل حاجة، طيبة القلب والبراءة… حتى عيوبك في عيوني جميلة.

المغزى:
لا تظن أن فيك عيبًا يجعلك غير محبوب، فربما هو ما يميزك.
لا تُقِس نفسك بمقاييس الآخرين، فكل شيء جميل يمكن أن يزول، إلا الروح الطيبة، فهي التي تبقى.
حب نفسك أولًا… وسيتعلم الجميع كيف يحبك.

 

← رجوع

شكرًا لردكم ✨

 

كُنت مغيبة بكل ما تعنيه الكلمة، لا أعلم ماذا عليَّ فعله، وماذا أختار؟ فوجدت نفسي ذاهبة إلى صديقتي، لتدلني على ما أفعله…

-معقول يابنتي هتوافقي على واحد مبيحبكيش؟؟

-أعمل ايه يعني ياسلمى، ما أنتِ عارفه إني موافقة عشان بابا، وهيضايق مني ويقلب الدنيا لو رفضت.

-يابنتي ده بيآخد القعدة كلها تريقة عليكِ وهيتجوزك بس عشان فلوس أبوكِ، ما بالك بعد الجواز بقى!

-افهميني، بقولك غصب عني.. غصب عني.

-مفيش مبرر يخليكِ تتورطي في جوازة بالشكل ده، فُوقي ياحور.

-يووه بقى أنا ماشية، مش ناقصة تأنيب ضمير أكتر من كده.

 

-غادرتُ المكان وكنت على يقينٍ بأن سلمى معها حق، لكن داخلي كان ينهار. بدأتُ أتذكر كل ما مررتُ به منذ وفاة والدتي حين كنتُ طفلة، كيف تحولت حياة والدي إلى مجرد عمل لا يتوقف، وكيف لم أجد من يحتويني. كان شكلي المختلف بالنسبة لي مأساةً، فقد عشت أزمة نفسية جعلتني عاجزة حتى عن مواجهة نفسي.

 

-عانيتُ منذ صغري بسبب لون بشرتي السمراء، ولأني لم أكن على قدرٍ كافٍ من الجمال كما يرونه. كان زملائي في المدرسة يسخرون مني دائمًا، وحتى حين كبرت ودخلت الجامعة، ظلَّ التنمر يلاحقني، وما زلت أعاني منه حتى اليوم.

 

-أما من كانوا يتقدمون لخطبتي، فكانوا يفعلون ذلك فقط طمعًا في ثروة والدي، ليحصلوا على الميراث بعد وفاته، تلك الثروة التي لا تعني لي شيئًا إن لم أجد من يحبني لذاتي، بعيوبي قبل مميزاتي.

 

-وحين رفضتُ أكثر من مرة، ضاق والدي ذرعًا بي، وأخبرني أنه سيقاطعني إن لم أوافق على آخر عريس. لم يكن يقسو عليّ، بل كان خائفًا من أن يرحل عن الدنيا ويتركني وحيدة. هو مصاب بالسرطان، ويعلم أن وقته قد لا يكون طويلًا.

 

-اضطررتُ للموافقة على عمر، أكثر شخص أكرهه، لأنه كان دائمًا يسخر مني، وقالها صراحة: “أنا اتقدمتلك عشان آخد ورثك.” كلمات كالسكاكين، قاسية ومهينة، كفيلة بأن تدفعني نحو حافة الانهيار. لكنّي كنت دائمًا أردد: لي ربٌّ لا ينسى.

 

-فاضي يسطا!

-آه تعالي يا آنسة.

-وديني على دار الكتب بعد إذنك.

-حاضر.

 

-وصلنا، لكن فجأة شعرت بدوار شديد.

 

-وصلنا يا آنسة.. يا آنسة، دي أُغمى عليها دي ولا حصلها إيه، فوقي الله يسترك، فوقي!

 

-أخذني السائق إلى المستشفى، وتبين أنني أعاني من هبوط حاد. قال الطبيب إن حالتي النفسية سيئة للغاية. لا أعلم لماذا اهتمَّ بي هذا السائق، لكنه بقي يسأل عني.

 

-عامله ايه دلوقتي؟

-الحمدلله بخير، هو أنا جيت هنا إزاي؟

-يدوب وصلتِ المكان لقيتك أُغمى عليكِ، حاولت أفوقك معرفتش، فـ جبتك هنا.

-شكرًا ليك جدًّا على اللي عملته معايا.

-الشكر لله، أنا معملتش حاجة.

 

-صمت للحظة، ثم قال:

 

-الدكتور بيقول إنه جالك هبوط حاد ونفسيتك وحشة جدًّا، ليه تاعبة نفسك؟ مفيش حاجة تستاهل.

-كل واحد عنده همومه، والحياة بتقسى علينا وبتحطنا في اختبارات أقوى مننا بكتير.

-أنتِ اللي فاهماها غلط، ربنا بيقول “وخَلقنا كل شيء بقدر”، يعني خلقك وخلاكِ وسط مشاكلك دي كلها عشان أنتِ قوية وقادرة تتخطيها.

-ونِعم بالله، بس أنا الحياة قاسية عليَّا جدًّا الفترة دي، عشان كده نفسيتي وحشة.

-مهما كانت همومك، ارميها على ربنا وتوكلي عليه، وتأكدي إنه هيعينك وهينصفك.

-يارب… ادعيلي يا.. صحيح اسمك إيه؟

-مصطفى، اسمي مصطفى.

-تشرفت بيك جدًّا، بس مش غريبة بالظروف اللي أنت فيها دي، وعندك اليقين ده كله!

-عشان اتعودت أقول يارب، وربنا بيستجيب. اتربيت إني أطلب الرزق بالحلال، والحمدلله، بظروفي دي زي ما بتقولي، قادر أعول أسرة وأجهز أختي كمان.

-ربنا معاك، وبجد نفسي أوصل لدرجة اليقين والسلام النفسي دي.

-يارب، المهم حمدلله على سلامتك.

-الله يسلمك، يدوب أروح بقى.

 

-غادرت معه وأنا أشعر أن نظرتي للحياة بدأت تتغير قليلًا. الكل يعاني، ولكن بدرجات مختلفة. وفجأة قطع شرودي صوته:

 

-التاكسي عطل.

-هتتصرف إزاي دلوقتي؟ مفيش ميكانيكي هنا.

-متقلقيش، أنا اتصلت بميكانيكي، ساعتين وهييجي.

-ساعتين بحالهم؟

-مضطرين نستنى. تقدري تركبي تاكسي تاني، وأنا هستنى.

-لا، بعد المعروف اللي عملته فيا، مستحيل أسيبك.

-زي ما تحبي.

-هستنى، كده كده معنديش حاجة أعملها.

-طيب حيث كده، تعالي أعزمك على حاجة نشربها.

-لا لا، معييش فلوس تكفي.

-بقول أعزمك، هو أنا قلت هتدفعي؟

-لا لا، ميصحش.

-طيب اعتبريها دين، وابقي رديه لو اتقابلنا تاني.

-خلاص، ماشي.

 

-ذهبنا معًا إلى مقهى بسيط، وبدأنا نتحدث. لا أعلم ما السبب، لكني شعرت براحةٍ معه وكأنني أعرفه منذ زمن.

 

-تعرفي إن القهوة دي لون عيونك أوي.

-ماما دايمًا بتقولي كده، أصلي طالعة شبهها، مطلعتش لبابا في حاجة.

-ربنا يرحمها، أنا آسف.

-ماتت وأنا صغيرة أوي، ملحقتش أعرفها، ملحقتش أعيش معاها اللي المفروض أي بنت تعيشه مع مامتها. بس بابا قالي إنها كانت طيبة وحنينة أوي… خايفة بابا يسيبني زيها.

-لا اهدي كده، ربنا يحفظه ليكِ ويطول في عمره.

 

-وفجأة، رنَّ هاتفي.

 

-أيوه أنا… إيه؟… بابا!!!

 

-أوقفت أول تاكسي مرّ بي، وذهبت بسرعة إلى المستشفى التي أخبروني بها. دخلت الغرفة، فوجدت والدي مستلقيًا على السرير، وجهه شاحب، وكأنه في عالم آخر. نظرت إلى ملامحه طويلًا وكأنها المرة الأخيرة، ودموعي تسابق أنفاسي.

 

-ثم شعرت بيدٍ تُربت على كتفي…

 

-آه معقول! اللي مش معقول إنك تمشي مرة واحدة وأنتِ بتصرخي من غير ما تقولي حتى! خفت جدًا وجبت تاكسي وجيت وراكِ.

-والتاكسي بتاعك؟

-سبته بيتصلّح، هجيبه بعد ما أطمن على والدك.

 

-دخل الطبيب، وأخبرنا أن والدي دخل في غيبوبة، وأن حالته غير مستقرة، ولا يعلم متى سيفيق. بكيت بكاءً هستيريًا، ووجدته يحاول تهدئتي.

 

-قولتلك قبل كده، خايفة أخسره… وأهو شكلي خسرته.

 

-اتصل عمر ليسأل باختصار عن ما حدث، ثم أنهى المكالمة ببرود.

 

-أنا مش فاضي أجي.

 

-صرخت فيه:

 

-الأفضل ليك إنك متجيش، ومشوفش وشك تاني! وانسى إنك خطيبي أصلًا!

 

-أغلقت الهاتف ووضعت يدي في يد والدي، أتمسك به كأن لمستي وحدها كفيلة بأن تعيده.

 

-هتفضلي قاعدة كده؟ أنتِ كمان كنتي تعبانة، ولازم ترتاحي.

-مش هقدر أرتاح طول ما بابا تعبان.

-هو دلوقتي بين إيدين ربنا، كل اللي عليكِ تعمليه إنك تدعيله.

 

-دخل الطبيب ليفحصه، ثم طلب منا المغادرة. وبعد كثير من الإلحاح، غادرتُ، ومصطفى أيضًا.

 

-تعالي هوصلك، وبعدين أرجع أجيب التاكسي.

-لا، روح أنت، أنا هعرف أروح.

-لا طبعًا، مش هسيبك تروحي لوحدك في وقت زي ده.

-تمام، زي ما تحب.

 

-مرّت ثلاثة أشهر ونصف، ووالدي لا يزال في غيبوبته. وكان مصطفى يزورنا باستمرار، يسأل عن حالته، ويعرض المساعدة، دون أن يعرف من نحن، أو ماذا نملك.

 

-وفي أحد الأيام، وأنا متجهة إلى غرفة والدي، سمعت صوتًا جميلًا يتلو القرآن بخشوع، كان صوته يبعث الطمأنينة، اقتربت لأكتشف أنه مصطفى. بقيت واقفة حتى أنهى التلاوة.

 

-صوتك حلو أوي بجد.

-أنتِ هنا من إمتى؟

-مش مهم من إمتى، المهم إني سمعته، ربنا يبارك فيك ويحفظك.

 

-حو… حور… حور!

-إيه ده؟ بابا فاق! يادكتور… يادكتوووور!

 

-فحصه الطبيب وقال لي:

 

-احمدي ربنا يا بنتي، باباكي فاق ورجع له وعيه، وكلها يومين وهيخرج.

-ألف حمد وشكر ليك يارب.

-حمدالله على سلامته يا حور.

-الله يسلمك يا مصطفى، بشكرك أوي على وقوفك جمبنا.

 

-حمدالله على سلامتك يا حبيبي، قلقتني عليك أوي.

-الله يسلمك يا بنتي… مين ده؟

-ده شخص نادر أوي يا بابا تلاقي زيه دلوقتي.

 

-وحكيت لوالدي كل ما جرى منذ أن التقيت مصطفى.

 

-شكرًا ليك أوي يا ابني، ربنا يحميك، تعبناك معانا.

-ولا تعب ولا حاجة يا عمي، التعب الحقيقي هيحصل لو رفضت طلبي.

-طلب إيه يا حبيبي؟ قول.

-أنا طالب إيد حور يا عمي.

 

-تجمدت مكاني.

 

-ده إزاي ده!

-بطلب إيدك، يبقى أكيد عايز أتجوزك… لو معترضة فأنا آسف.

-لا، استنى بس… أنت فاجئتني.

-طيب يا ابني، أنا لسه قدامي يومين هنا، هي هتفكر فيهم وبعدين نرد عليك.

 

-غادر مصطفى، وبقيت أنا مع والدي أحكي له كل شيء. أخبرته أن مصطفى لا يعلم أي شيء عن حالتنا الاجتماعية، وأنه أحبني لنفسي، لا لثروة أبي، كما أخبرته أنني أنهيت علاقتي بعمر.

 

-وافق والدي، وقرر أن يُوظفه معه، وأكد لي أن القرار الأخير لي أنا.

 

-مرّ شهر، وفي يوم خطوبتنا، وجدت نفسي أتصل به لأسأله:

 

-ليه اختارتني أنا؟

-عشان لقيت فيكِ الحاجة اللي ناقصاني وهتكملني… لقيت فيكِ كل حاجة، طيبة القلب والبراءة… حتى عيوبك في عيوني جميلة.

 

 

المغزى:

لا تظن أن فيك عيبًا يجعلك غير محبوب، فربما هو ما يميزك.

لا تُقِس نفسك بمقاييس الآخرين، فكل شيء جميل يمكن أن يزول، إلا الروح الطيبة، فهي التي تبقى.

حب نفسك أولًا… وسيتعلم الجميع كيف يحبك.