مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كنوز سورة الكهف، حكمة قتل الغلام

Img 20240726 Wa0228

 

كتبت: هاجر حسن 

 

 

كنوز سورة الكهف لا تُعد ولا تُحصى، كلما قرأتها أبحرت نفسي في عمق خفاياها وأسرارها.

 

“فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا”

 

تستوقفني هذه الآية كثيرًا، تشد فكري وتثير تأملاتي.

حين قتل الخضر الصبي الصغير، كان طفلًا صغيرًا يركض ويلعب غير مُبالي بشيء. لكنه كان مكتوبًا له أن تصعد روحه إلى السماء في ذاك اليوم.

 

عند النظر إلى الأمر دون إدراك وفهم، يصعق القلب، يضطرب العقل وينكر هذا الفعل، كما أنكره موسى عليه السلام. فما من شيء قد يكون أشنع من القتل.

 

لكن نهدأ حين نعلم أن أقدار الله مجهوله، له حكمة في كل شيء قد تتضح أسبابها في الحياة الدنيا، وقد تظل مجهولة إلى يوم البعث.

 

نتعلم من حكمة قتل الغلام أن الخير يكمن في الشر، فلو كان كبر الغلام، لأصبح شرًا لنفسه ولوالديه في الأرض. لكان سيكون مثل الشوكة في الحلق، يفسد عليهم طمأنينتهم. سيكون شرارة قد تقودهم إلى اللهب. فيجرفهم من شدة محبتهم له إلى الطغيان والكفر. الله عالم الغيب، فقبض روح الصبي قبل أن يكتب عليه القلم، ورحم أهله من أن يرهقهم طغيانًا وكفرًا.

 

فقال تعالى: “وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا”

 

هذه الحكمة تضئ العقل وتنير القلب، لحكم الله في الكون. ولتأكيد قيمة الإيمان بالقدر، والتسليم لأقدار الله والصبر على ما لم نحيط به علمًا.

تعلمنا أن ما نراه شرًا، يكون بداخله خيرًا مخفيًا لنا قد ندركه في الدنيا أو قد لا نعلمه.

 

هكذا هي آيات سورة الكهف تبعث في النفس طمأنينة وصبرًا على الأقدار، وتروي القلب بالرضا بأن كل شيء يصيبنا، فقدناه، خسرناه، يحمل في داخله خيرًا مخفيًا لنا.

 

فكم من أناس حولنا فقدوا أبنائهم، خسروا مالهم، حرموا من أهلهم، دُمرت منازلهم. أو تشردوا من أرضهم. حين يتدبرون معاني سورة الكهف، يدركون أقدار الله وحكمته، ويتجلى لهم علمه بالغيب، ورحمته التي تشمل أدق تفاصيل حياتهم.

هكذا يصبحون قادرين على مواجهة تقلبات الحياة بإيمان وثبات ورضا، مدركين أن كل ما يحدث لهم جزء من أقدار الله المخفية، تحمل في طياتها خيرًا عظيمًا، حتى وإن خفيت حكمته عن الأعين……