مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب ونفس وما سواها ،بقلم هاني الميهي

الفصل العاشر – الحُرِّيَّةُ الدَّاخِلِيَّة

اسم الكتاب: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا

اسم الكاتب: هاني الميهى

الحرية التي يبحث عنها الإنسان طويلًا ليست حدثًا خارجيًا، ولا وضعًا مثاليًا تصنعه الظروف. إنها حالة داخلية تُبنى ببطء، وتترسخ بالوعي، وتُختبر في لحظات الاختيار الصامتة. كثيرون يظنون أن الحرية تعني غياب القيود، لكن الحقيقة أن أخطر القيود ليست تلك التي يفرضها العالم، بل تلك التي تصنعها النفس حين تفقد قيادتها.

الحرية الداخلية تبدأ حين يدرك الإنسان أنه ليس مضطرًا للاستجابة لكل ما يشعر به، ولا لكل ما يُطلب منه، ولا لكل ما يُعرض عليه. أن تمتلك القدرة على التوقف قبل الفعل، والتفكير قبل القرار، هو أول أشكال التحرر. فالعبد الحقيقي ليس من تُقيّده الظروف، بل من تُسيّره رغباته وانفعالاته دون وعي.

تعلمت أن النفس غير الحرة تعيش تحت ضغط دائم: ضغط الإرضاء، ضغط الخوف من الرفض، ضغط التعلق، وضغط المقارنة. وكلما استجابت لهذه الضغوط، ظنت أنها تحمي نفسها، بينما هي في الواقع تُفرّط في استقلالها. أما النفس الحرة، فتختار بوعي، وتتحمل مسؤولية اختيارها، دون تبرير زائد، ودون خوف مبالغ فيه من النتائج.

الحرية الداخلية لا تعني التمرد على كل شيء، ولا الانسحاب من كل علاقة، بل تعني وضوح الحدود. أن تعرف أين تنتهي مسؤوليتك، وأين تبدأ مسؤولية غيرك. أن تمنح دون استنزاف، وأن ترفض دون شعور بالذنب. فالحدود الواضحة ليست قسوة، بل احترام للذات، ومن لا يحترم نفسه، لا يستطيع أن يكون حرًا.

ومن أخطر ما يُقيّد النفس هو التعلق المرضي: بالأشخاص، بالآراء، بالمكانة، أو بالصورة الذهنية أمام الآخرين. هذا التعلق يُفقد الإنسان مرونته، ويجعله يتنازل عن قناعاته خوفًا من الفقد. الحرية هنا لا تعني القطيعة، بل تعني أن تكون قادرًا على البقاء أو الرحيل دون أن تنهار. أن تحب دون أن تُلغى، وأن تنتمي دون أن تذوب.

في مسار التحرر الداخلي، يمر الإنسان بمرحلة صعبة: مواجهة الخوف. فالحرية لها ثمن، وثمنها غالبًا هو مواجهة المجهول، وتحمل نتائج الاختيار. النفس غير الحرة تبحث دائمًا عن الأمان السريع، ولو كان زائفًا. أما النفس الحرة، فتقبل القلق المؤقت مقابل سلام طويل المدى. وهنا يتضح الفرق بين راحة اللحظة، وطمأنينة المسار.

ومع الوقت، تُثمر هذه الحرية اتزانًا داخليًا. يصبح الإنسان أقل اندفاعًا، وأكثر ثباتًا. لا يتغير مع كل رأي، ولا يهتز مع كل نقد. يعرف متى يتراجع، ومتى يثبت، ومتى يعيد التقييم دون أن يجلد ذاته. هذه الحرية لا تصنع إنسانًا معزولًا، بل إنسانًا حاضرًا، صادقًا، قادرًا على التفاعل دون أن يفقد نفسه.

وفي النهاية، الحرية الداخلية ليست وجهة تُصل إليها، بل حالة تُحافظ عليها. هي قرار يومي بأن تكون قائدًا لنفسك، لا تابعًا لها. بأن تختار بوعي، وتتحمل، وتتعلم، وتستمر. فحين تتحرر النفس من قيودها الخفية، يصبح العالم أقل تهديدًا، وتصبح الحياة مساحة أوسع للاختيار، لا ساحة للهرب.

مُلخّص يقود للفصل القادم:

وحين تكتسب النفس حريتها، تُختبر هذه الحرية في أشد اللحظات قسوة… لحظات الابتلاء. في الفصل القادم، نقترب من علاقة النفس بالشدائد، وكيف يكشف الابتلاء حقيقتها ويصقل مسارها.

#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا

#هاني_الميهى