مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب شفرة الخلق بقلم هاني الميهي

📖 اسم الكتاب: شفرة الخلق

✍️ اسم الكاتب: هاني الميهى

🕯️ الفصل الثانى عشر: العَيْن الَّتِي تَرَى مِنَ الدَّاخِل

الجزء الثانى: الشقّ الذى ينفتح عندما يصمت العالم

 

لم يكن النور الداخلى مجرّد لحظة صفاء،

ولا كان انكشافًا عابرًا تُهديه الروح لساكنها ثم تغلق الباب خلفها.

بل كان انفصالًا واعيًا عن ضجيج العالم،

حيث تتوقف الأصوات كلها،

ويبقى صوت واحد فقط…

الصوت الذى ظلّ يرافق الإنسان منذ يوم خُلق

ولم يسمع صداه إلا الآن.

فى تلك البقعة العميقة من الداخل،

بدأ الراوى يشعر أنّ الزمن لا يتحرك،

وأنّ الأشياء لا تقوم بوظائفها المعتادة:

القلب لا ينبض ليعدّ الثوانى،

والعقل لا يشتغل ليحلّل،

والجسد لا يطلب شيئًا.

كأنّ وجوده كلّه أصبح عينًا واحدة تتأمل ما خلف الستار.

وهناك…

كانت الحقيقة أكثر وضوحًا مما يحتمله بشر.

رأى أنّ الإنسان لا يُصنع من الطين وحده،

ولا من الجين وحده،

ولا من ميولٍ ورثها أو صفاتٍ اكتسبها؛

بل يُصنع من القرار الأول الذى يتخذه حين يواجه نفسه بلا أقنعة.

فالكون لا يكتب مصير أحد،

بل يترك في داخله مساحةً صغيرة

لا يقترب منها قدرٌ ولا جينٌ ولا تاريخ،

مساحةٌ لا يتحرك فيها إلا اختيار الإنسان.

ووسط هذا السكون،

لاحظ أنّ داخله ينشقّ كما تنشقّ الأرض عن نبع؛

شقٌّ دقيق لا يُرى بالعين،

ولا يُلمس باليد،

لكنه يُحِسّ به كما يُحسّ بالنداء.

نداءٌ يقول له:

“كل ما لم تفهمه فى حياتك… كان يقودك إلى هنا.”

فالأخطاء لم تكن عبثًا،

والخسارات لم تكن قسوة،

والأشخاص الذين دخلوا وخرجوا من حياته

لم يكونوا مرورًا عابرًا؛

بل كانوا خيوطًا تشدّه ببطء

نحو هذه اللحظة التى يرى فيها ما وراء نفسه.

إنها اللحظة التى يتحوّل فيها الداخل إلى مرآة،

والإنسان إلى قارئٍ لكتابٍ لم يكن يعرف أن صفحاته بداخله.

ومع انفتاح هذا الشقّ،

أدرك الراوى أن الخلق لا ينتهى حين يولد الإنسان،

بل يبدأ حين يرى ما يُخفيه عن نفسه منذ سنوات.

#شفرة_الخلق

#هانى_الميهى