مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب شفرة الخلق بقلم الكاتب هانى الميهى

كتاب شفرة الخلق بقلم الكاتب هانى الميهى

🕯️ عنوان الفصل التاسع: سكون المرايا

🧩 الفصل التاسع – الجزء الأول

 

تبدأ الحكاية حين يتوقّف الإنسان أمام مرآته، لا ليرى وجهه، بل ليفهم من هو..

فالمرايا لا تعكس الملامح فقط، بل تُظهر ما يحاول الوعى إخفاءه: نوايانا، ظلالنا، وأسرارنا القديمة.

حين تنظر إلى نفسك طويلًا، لا ترى الملامح بل الذاكرة، ترى الجينات وهى تتحرك خلف عينيك فى صمتٍ غامض، كأنّها تحاول أن تذكّرك بأنّك لست سوى امتدادٍ لآخرين، وأنّك ما زلت تحملهم فى تفاصيلك الصغيرة دون أن تدرى.

يقول العلماء إنّ الجينات تختزن كلّ ما كنّاه، لكنّ المرايا هى التى تكشف ما نحن عليه الآن.

بين الوراثة والانعكاس، تضيع المسافة التى نسميها “الهوية”.

ذلك الخليط من الماضى والممكن، من العادة والرغبة، من الجذر والريح.

كلّ إنسانٍ يحمل مرآتين؛ واحدة يرى فيها ما يظنه “هو”، وأخرى يراها العالم من حوله، وتلك هى المأساة الكبرى: أن نعيش بين صورتين لا تتطابقان أبدًا.

فى لحظات الصمت الطويل أمام الزجاج، تبدأ الملامح فى الانزلاق، كأنّها تفقد اتّساقها.

تكتشف أنّ وجهك ليس وجهك، بل مزيجٌ من مئات الوجوه التى سبقتك؛ أنفُ جدّك، عينُ أمّك، ارتجافةُ شفاه أبيك حين يغضب، ونظرةُ حنينٍ قديمة لم تعرفها من قبل.

تلك هى شفرة الخلق وهى تعمل فى الخفاء، لا تُبدعك من عدم، بل تعيدك من ذاكرةٍ لا تنام.

لكنّ الأخطر من كلّ ذلك، أنّ المرآة لا تكذب.

فإن رأيت فيها قبحك، فذلك لأنّك لم تتصالح مع حقيقتك بعد.

وإن رأيت فيها جمالك، فربّما لأنّك صدّقت كذبةً مريحة صنعها وهمُك.

إنّ السكون الذى نبحث عنه أمام المرآة ليس سكونًا بصريًا، بل سكونٌ روحىّ، لا يتحقق إلّا حين نفهم أنّنا مزيجٌ من الضوء والظل، من الأصل والتجربة، من الوراثة والإرادة.

حين تصل إلى تلك المرحلة، لا تعود المرآة خصمًا، بل تصبح حليفًا.

وجهك لا يخيفك، ماضيك لا يثقل خطواتك، وجيناتك لا تحكمك… بل تصحبك.

 

#شفرة_الخلق

#هانى_الميهى