مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هاني الميهى

كتاب الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل الثاني:

الهارب لا يهرب عبثًا

 

الجزء الأول

يا قارئي،

لا أحد يختار الهروب صدفة.

فالهارب ليس طائرًا ضلّ طريقه، بل إنسانٌ خذلته الطرقُ التي عبرها كثيرًا.

هرب لأنه أرهقته المواجهات، وتكررت على مسامعه ذات الجمل التي لا تشفي ولا تُقنع،

هرب لأن صوته لم يُسمَع حين كان في مكانه،

ولأن الذين حوله اعتادوا وجوده حتى صار حضوره بلا أثرٍ ولا وزن.

الهارب لا يغادر الأماكن التي يحبها،

بل يغادر نفسه حين يشعر أنها لم تعد تُحتمل.

إنه لا يهرب من الآخرين فقط، بل من مرآته التي تذكّره بما فقد.

فكل مرةٍ يهرب فيها، كان يرجو في داخله أن يُمسك به أحدهم،

لكن أحدًا لم يفعل.

كل ما فعله الناس أنهم صدّقوا هدوءه وابتسامته الخفيفة،

ولم يسأل أحدٌ عن الثمن الذي دفعه ليبدو بخير.

الهارب الحقيقي يا صديقي، لا يصرخ،

بل ينسحب في صمتٍ يوجع أكثر من ألف مواجهة.

ينسحب وهو يحمل في داخله ألف “لماذا”،

ويقول في سره: “سأنجو هذه المرة”،

لكنه لا يدرك أن النجاة من الآخرين لا تعني النجاة من الذات.

ولأن الهارب يُتقن الصمت،

فهو لا يشرح لنفسه حتى سبب هروبه.

كل ما يعرفه أنه لم يعُد يحتمل البقاء في مكانٍ يُشبه الجرح أكثر من المأوى.

يهرب بحثًا عن مساحةٍ لا يُسأل فيها كثيرًا،

ولا يُطالَب فيها بأن يفسّر ما لا يستطيع فهمه.

ربما كان الهارب طفلًا لم يُسمع بكاؤه قديمًا،

فتعلّم أن الانسحاب وسيلةٌ للنجاة.

وربما كان عاشقًا لم يُحتوَ وجعه،

فتعلّم أن الغياب أسهل من تبرير الألم.

وربما كان فقط إنسانًا أنهكه العالم،

فاكتشف أن البُعد في بعض الأحيان،

أكثر أمانًا من كل القُرب الذي لا يرحم.

الهارب لا يهرب عبثًا،

بل يهرب لأنه حاول ألف مرةٍ أن يبقى، وفشل.

هرب لأنه صدّق أن صمته سيُفهم،

فلم يفهمه أحد.

هرب لأن قلبه لم يعد يحتمل أن يُعطي دون أن يُقدَّر.

إنه لا يريد أن يُرى قويًّا،

بل أن يُترك لحاله قليلًا.

يريد أن يتنفس دون سؤال،

أن يختبئ دون لوم،

أن يعيد ترتيب نفسه في هدوءٍ لا يتدخل فيه أحد.

وما أكثر من يلومون الهارب،

لكن قليلون من يحاولون فهمه.

فالهروب ليس جبنًا دائمًا،

بل أحيانًا هو فعل شجاعةٍ صامتة،

أن تقول لنفسك: “كفى” وتمضي،

وأنت تعرف أن البقاء كان سيكسرك أكثر.

 

#الهاربوالمطاردفلسفةالتعلقوالانسحاب

#هانى_الميهى