مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قمرٌ ونجمتان 

Img 20250429 Wa0234

 

للكاتب محمد طاهر سيّار الخميسي 

 

لستُ مبدعًا في كتابة الروايات والقصص؛ لأنني لم أهتم يومًا بهذا النوع من الكتابة، ولستُ ماهرًا في الحبكات أو المشاهد الدرامية؛ لكن لدي من الواقع ما هو أرقى من نسج الخيال. لذا سأكتب قصتي كما هي، من أول بسمة لقاء إلى آخر دمعة حزن: 

 

 في ليلة من ليالي الشوق العتيقة، سافر القمر إلى المدينة، تاركًا قريته لظلامها الحالك. كان شغفه يملأ الأرجاء، وعشقه يضيء كل أنحاء البلاد، غير أنه كان يخفي الكثير من الأحزان والآلام، لا يبديها لأحد. كان مشعًّا في سماء القرية، لكنهم لم يدركوا قيمته إلا بعد غيابه الطويل.

 

رحل القمر، فانطفأت المصابيح، وغابت الكهرباء، وخفت ضوء الشمس عن الألواح الشمسية. أصبحت الليالي أكثر ظلمة، والمجتهدون باتوا بلا أمل، بعدما أطفأت الرياح شموعهم التي كانت تضيء دروب العلم.

 

ترك القمر البلاد حزينة لفراقه، وبدأ الجميع يتساءلون: أين ذهب؟ لعل سحابة ماطرة حجبت ضوءه، كما تحجب الغيوم الشمس عن الأرض. انتظروا عودته، ليعترفوا له بحبهم، ويخبروه عن حاجتهم إليه، وكيف فعلت بهم الليالي في غيابه. أصبح كل شيء غامضًا، لا يُرى إلا باللمس، ولا يُعرف إلا بالحاجة. حينما كان أحدهم يمسك بطعامه، لم يكن يميّزه إلا بشهوة الجوع، وإن حمل كتابًا، صاح باكيًا، حامدًا الله على نعمة البصر والضوء، وعلى وجود القمر في المساء.

 

دروب المدينة

 

كان القمر غريبًا في المدينة، لا يعرف أحدًا ولا يعرفه أحد. أطلّ ببسمته في سمائها، لكنه لم يجد فيها دفء قريته. حتى النجمة التي كانت مصدر إلهامه لم تفرح بحضوره، إذ خُدعت بأضواء المدينة الصاخبة، التي ملأتها المصابيح واللوحات المضيئة وأقمارها الاصطناعية.

 

بقي القمر حزينًا، يجوب شوارع المدينة وأزقتها، يراقب الناس في صمت. لم يكن ينام، بل يظلّ مستيقظًا، حالمًا بلقاء النجمة التي سلبت قلبه. قرر أن يبحث عنها، فتجول بالقرب من منزلها، آملاً أن تجمعهما الصدفة، كما جمعهما الحب ذات ليلة في القرية.

 

كانت تلك الليالي الماضية لا توصف بجمالها، حيث تبادل العاشقان القصائد ورسائل العشق، كل منهما يعبر عن شغفه بالآخر. كان هو يراها “نجمة”، وكانت تراه “قمرًا”.

 

خذلان الحب

 

عندما اقترب القمر من النجمة، صدمته بحقيقة قاسية: لم تعد تراه. المدينة كانت تعجّ بمجرات وأضواء زائفة، فلم يعد قمر البادية يضيء في عينيها.

 

خشيت النجمة على القمر من نجمات المدينة، وغارت من سعادته المحتملة بينهنّ، لكنها أيضًا سجنت نفسها خلف كبريائها، حتى فقد القمر الأمل في لقائها. انتظر طويلًا أن توافق على رؤيته، أن تخرج معه إلى الحديقة حيث يلهو الأطفال وتملأ الضحكات الأجواء، أو أن ترافقه إلى السوق حيث تتعطر الأزقة برائحة العود والورود، لكنه لم يلقَ منها إلا الجفاء.

 

ربما كانت تريد اختبار صبره، أو معاقبته على أخطائه، لكنه لم يعد يحتمل. نكرت حبهما رغم أنها تتذكر كل شيء: حديثهما تحت السماء الصافية، بحثها عن الإنترنت فوق الشجرة، الأوصاف التي كان ينقشها على جبينها من نور.

 

أرسل إليها رسالة طويلة، لكنها لم ترد. لم يكن بكاؤه ضعفًا، بل كان حبًّا صادقًا يحترق في قلبه. كان أمله الأخير أن يجمعهما القدر مجددًا، لكن النجمة أغلقت بابها في وجهه، دون أن تدرك أن كل ما أراده هو أن يكون بجانبها.

 

عوض القدر

 

لم يكن القمر وحيدًا تمامًا. في أحد الأيام، تعرف على نجمة أخرى، من نجمات المدينة، كانت مختلفة. ربما قرأت كتاباته فأُعجبت به، وربما رأت فيه ما لم تره النجمة الأولى. كانت تلتقيه يوميًّا، تتجاذب معه أطراف الحديث، يتبادلان النظرات بشغف ولهفة.

 

رأى القمر في عينيها نجمتين ساطعتين، فوقهما جبين شامخ كالجبل، وحاجبين كالهلال، وشعرًا أسود تخللته خيوط ذهبية، وابتسامة تفتن اللبيب. كان مفتونًا بها، لكنها كانت تخشى أن تخسره، كما خسر هو نجمته الأولى.

 

وذات يوم، غابت عنه لثلاثة أيام، وعندما التقيا، مازحها قائلًا:

– هل ما زلتِ على قيد الحياة، أم كنتِ تحفرين قبري؟

ضحكت وقالت:

– ما زلتُ بخير، لكنني كنت أجهّز لك الكفن!

 

لكن القدر لم يكن يمزح، فقد تعرض القمر لحادث، كُسر فيه إصبعه، وأصيب في قدمه، وكاد أن يفقد وعيه. وعندما عاد للقاء النجمة، سألته بقلق:

– أين كنت؟ بحثت عنك كثيرًا!

ابتسم وقال لها:

– أنتِ السبب! دعوتِ عليّ فسقطت في الطريق!

 

أجهشت بالبكاء، ووضعت زجاجة عطر في يده، وقالت:

– أقسم لك، لم أكن أعلم أن شيئًا سيصيبك! لم أدعُ عليك، ربما كان دعائي لك هو ما أنقذك.

 

حينها، أدرك القمر أنه لم يكن وحيدًا. رممت هذه النجمة جراحه، وأعادت إليه بريقه، وعوضته عن ألم نجمته الأولى.

 

لكن القدر لم يغلق أبوابه بعد. عندما عاد القمر إلى قريته، وجد رسالة من نجمته القديمة، تخبره فيها أنها تفتقده، وتنتظره في الشتاء القادم. 

كانت الرسالة تحمل بين سطورها مشاعرًا عميقة من الحب والشوق، وبدا للقمر أن نجمته القديمة قد تغيرت، وأصبحت أكثر نضجًا ووعيًا.

قرر القمر أن يعود إلى نجمته القديمة، وأن يرى ما إذا كان الحب بينهما ما يزال موجودًا.

عندما وصل إلى نجمته القديمة، وجد أنها قد تغيرت حقًا، وأصبحت أكثر جمالًا وروعة.

بدا للقمر أن نجمته القديمة قد عادت إليه، وأن الحب بينهما ما يزال موجودًا.

لكن عندما كان على وشك أن يعود معها، تذكر القمر النجمة الأخرى التي التقى بها في المدينة.

تذكر كيف كانت تحبه، وكيف كانت تريد أن تكون معه.

بدا للقمر أن قلبه مقسم بين نجمتين، وأن لا يمكنه أن يختار بينهما.

فقرر أن يعود إلى النجمة الأخرى، وأن يرى ما إذا كان الحب بينهما ما يزال موجودًا.

عندما وصل إلى النجمة الأخرى، وجد أنها ما زالت تحبه، وأنها ما زالت تريد أن تكون معه.

بدا للقمر أن قلبه قد وجد ما يبحث عنه، وأن الحب بينهما ما يزال موجودًا.

فقرر أن يبقى مع النجمة الأخرى، وأن يعيش معها حياة مليئة بالحب والشوق.

وأما نجمته القديمة، فقد عادت إلى حياتها السابقة، وأصبحت مرة أخرى نجمة في سماء القرية.

لكن القمر لم يعد يرى النجوم بنفس الطريقة التي كان يراها بها من قبل.

لقد تغيرت نظرته للنجوم، وتغيرت نظرته للحياة.

لقد عرف أن الحب يمكن أن يكون مصدرًا للضياء. لكنه يمكن أيضًا أن يكون مصدرًا للألم والشوق.

وأنه يمكن أن يكون مقسمًا بين نجمتين، وأن لا يمكنه أن يختار بينهما.

لكن في النهاية، وجد القمر ما يبحث عنه، وأصبح نجمًا في سماء النجمة الأولى التي كانت تلتف حوله بالعشق.