كتبت منال ربيعي
. منذ وداعه، وأنا أحيا بين النور والظل، بين صوت البحر ونداء القلب.
في تلك الليلة التي غادرني فيها أوديسيوس إلى حرب طروادة، كان الهواء كثيفًا فوق صدري، وكانت السماء تلبس لون الحزن.
لم يتغير العالم… لكنني تغيرت إلى الأبد.
عشر سنواتٍ مرت، كنصلٍ طويل يخدش أيامي. لم يعد المساء يحمل خبراً، ولا الصباح يبشرني بشيء سوى الانتظار.
صوت البحر كان يغني لي، كأنه يهمس: “اصبري”، وصوت الخيبات كان يزمجر: “انسِ”.
وكنت أنا بينيلوبي، أنسج قماط صبري كل نهار، وأحلّه كل ليل، أخيط الزمن بخيوط الأمل الواهنة.
جاؤوا…
الخطّاب، بعيونهم الجائعة وألسنتهم المعسولة، يتقدمون صفًا بعد صف، ينهشون قصري وينتظرون سقوطي، وأنا أبتسم لهم كابتسامة الغريق فوق الماء، وأخفي في صدري نارًا لا تخبو.
حين ضاق صدري بالحيل، أعلنت امتحانًا لا ينجح فيه إلا من يحفظ صدى خطواته في قلبي: من يطلق السهم مخترقًا اثنتي عشر حلقة سيكون سيدي وزوجي.
ضحكوا، وتحدوا، وفشلوا.
ثم دخل رجل، متسول الثياب، غريب الملامح…
لكن حين أمسك القوس، ارتجف الهواء، وعادت ذاكرتي جريحة إلى تلك الليلة القديمة.
أطلق سهمه، وكان السهم يمزق الغياب ذاته، ويمتد كجسر بين قلبين افترقا عمرين.
وبعدما أُبيد الطامعون، اختبرته اختبار اليقين: أمرت بتحريك السرير المغروس في الشجرة الحيّة.
فانفجر غاضبًا، يحدثني عن سرّ لا يعرفه إلا قلبان قُطعا من شجرة واحدة.
في تلك اللحظة، علمت…
ليس البحر ولا الزمن ولا الغياب قادر على اقتلاع جذور الحب حين تُروى بالوفاء.
في تلك الليلة، لم يتغير العالم…
لكني، أنا بينيلوبي، تغيرت إلى الأبد.
كنت امرأة انتظرها القدر، وغزلها الألم، وصقلها الحبّ.






المزيد
رحلةُ الأدبِ والكِتابةِ بقلم الكاتب محمد طاهر سيار الخميسي
في مَهبِّ الكبرياء بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
أنتِ مرآةٌ لنفسكِ بقلم هبة الله حمدى عبدالله