مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قلب محطم وحيد : بقلم: عبد الرحمن شعبان سعد

قصه قلب محطم وحيد الجزء الاول

بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

الليل كان هادئًا على شاطئ البحر، لكن قلب سليم لم يعرف الهدوء منذ شهور. جلس على الرمال الباردة، يحدق في الأمواج وهي تتكسر أمامه، كل موجة تذكره بما فقده… بما تركه العالم خلفه.
كان قلبه محطمًا… وحيدًا… يحاول فهم لماذا الحب الذي أعطاه كل شيء… لم يعد موجودًا.
تذكّر ليلى، تلك الفتاة التي كانت كل شيء له. ابتسامتها، ضحكتها، الطريقة التي كانت تجعله يشعر بالأمان. لكن فجأة… اختفت. بدون رسالة، بدون وداع، وكأنها لم تكن موجودة يومًا.
ظل سليم يسير على الشاطئ، كل خطوة تزيد من شعوره بالفراغ. حتى وصل إلى المصعد القديم في المبنى الذي يسكنه. مصعد صدئ… صوت أزيز غريب يصدر منه… لكنه دفعه الفضول، أو ربما الوحدة، لدخوله.
بينما المصعد يتحرك ببطء، شعر بشيء يلمس كتفه. التفت… ولم يكن أحد هناك. ثم سمع همسًا خافتًا، قريبًا جدًا من أذنه: — “ليه موجوع كده؟”
تجمد سليم، قلبه بدأ ينبض بسرعة. لكن الصوت لم يكن مألوفًا… كان غريبًا، ولكنه يلامس أعماق روحه.
المصعد توقف فجأة… الأضواء انطفأت… ورأى أمامه ظل شخص يقف، لا ملامح له، لكنه يحمل شعورًا مألوفًا… ألمه.
قال الصوت: — “أهو قلبك… مكسور وحيد… زي قلبي.”
اقترب الظل… وأصبح يقترب من قلبه حرفيًا، كأنه يريد أن يخرج كل ما فيه من ألم. صرخ سليم: — “ماذا تريد مني؟!”
ابتسم الظل… ابتسامة لا تُرى، لكنها تُشعر بالبرد في كل ذرة من جسده: — “إعادة ترتيب الأشياء… أو استهلاكك.”
تراجع سليم… لكنه شعر بأن الأرض تهتز من تحته. وفجأة… المصعد فتح أبوابه على عالم آخر… مظلم، مليء بالوجوه الحزينة، كلها تبحث عن شيء لم تجد. كل وجه يشبه وجوه من فقدهم سليم، وكلهم ينظرون إليه.
سقط على ركبتيه… حاول الصراخ… لكن صوته لم يخرج.
ثم شعر بشيء يلمس كتفه… هذه المرة كان باردًا كالثلج، وأثقل من أي وزن عرفه في حياته. التفت ببطء، فوجد شخصًا يشبهه تمامًا… لكن عينيه سوداء بالكامل، وابتسامة على وجهه تشبه الألم نفسه.
قال الظل: — “أنا أنت… كل شيء لم تُواجهه… كل ألمك… كل خوفك… أنا باقي.”
ابتعد خطوة، ثم اقترب مرة أخرى، وتحدث بصوت أشبه بالريح: — “اللي هتعيشه دلوقتي… مش مجرد تجربة. ده اختبار… اختبار روحك.”
تقدم سليم نحو الظل، لكن كل خطوة كانت أصعب من التي قبلها، كأن الأرض تسحبه إلى الخلف. الوجوه الحزينة حوله بدأت تتحرك، صمتها تحول إلى همهمات عالية… تتردد في أذنه: “مش هتخرج… مش هتخرج… مش هتخرج…”
ارتجف كل جسده، وراح يبحث عن ضوء، عن أي شيء يربطه بالواقع. ثم لمح ضوءًا بعيدًا… نور خافت، يبدو وكأنه ينتمي إلى شاطئ البحر الذي تركه وراءه.
أخذ نفسًا عميقًا، وبدأ يركض نحو الضوء… لكن الأرض تهتز أكثر… والموجات من حوله تتحول إلى أصوات ضحك مرعبة… أصوات ليلى… لكنها مشوهة، غريبة، وكأنها تأتي من أعماق الماضي.
صرخ سليم: — “ليلى! أنا هنا… ليه سبتيني؟!”
لكن الصوت الذي جاءه لم يكن صوتها… بل صوت الظل: — “مش هيهتموا بيكي… اللي مهم دلوقتي إنك تواجه نفسك.”
اقترب سليم من الضوء، فشاهد بابًا خشبيًا ضخمًا، يبدو وكأنه مفتاح النجاة. لكن على الباب كان مكتوب بخط متعرج ومرعب: «اللي يدخل هنا… يا ينجو… يا يضيع للأبد.»
أمسك بمقبض الباب، يشعر بالارتعاش… كل صوته الداخلي يقول له: “اهرب… ابعد… مش ده مكانك…”
لكن قلبه المكسور، وحدته، وكل الألم الذي جمعه طوال الأشهر الماضية… دفعه للأمام. دفعه لفتح الباب.
وفي اللحظة التي فتح فيها… اندفعت رياح شديدة… ورؤية أشخاص من ماضيه، ضحكاتهم، دموعهم، صراخهم، كل شيء امتزج بالضباب حوله. حسّ أن جزءًا منه يذوب… يندمج مع كل ما فقده… وكل ما خافه.
صمت فجأة. الضباب تلاشى… والباب أُغلق خلفه. وهنا شعر لأول مرة… بشيء جديد… شعور غريب… كأنه بدأ فصلًا جديدًا في حياته.
لكن شيئًا ما في داخله يقول له… “دي البداية فقط… والمجهول لسه قدامك.”

انتظروا الجزء القادم…