بقلم/ عبدالرحمن غريب
اليوم نقصّ عليكم آخر قصة في حضارات جنوب العراق القديم، الحضارة الأخيرة والحدّ الفاصل بين نهاية عصور ما قبل التاريخ وبداية العصر التاريخي. حضارة جمدة نصر تقع قرب مدينة كيش القديمة، وقد تميّزت بالتطور في الكتابة والنحت وفن البناء. والآن لنبدأ الحكاية…
المعبد الأبيض من أقوى وأبرز معالم جمدة نصر، أُنشئ لمعبودهم “إله السماء” فوق تلة يصل ارتفاعها إلى 12 متراً، وبُني من الطوب اللبن. يضمّ المعبد مقصورة رئيسية تحتوي على المذبح ومائدة القربان، وكان الأهالي يرتبطون بهذا المبنى ارتباطاً قوياً جداً وحافظوا عليه لمدة 30 قرناً. وفي أرض بابل شرقاً، يوجد معبد آخر مكوّن من خمس طبقات يُدعى معبد إله القمر «سن».
وفي مدينة إشنونا اكتُشفت بقايا “معبد آنو” العائد إلى جمدة نصر. لكن المثير أن الدكتور عبد اللطيف أشار إلى أن معبد آنو، ومعبد خفاجة، ومعبد سن، بُنيت بين المساكن ولم تُشيّد فوق تلة بسبب طبيعة الأرض وانخفاضها.
والآن ننتقل إلى فن النحت ولوحة صيد الأسود والإناء النذري.
يُعدّ النحت من أروع ما خلفته جمدة نصر، إذ مثّل المرحلة الأخيرة من عصور ما قبل التاريخ وبداية العصر التاريخي.
الإناء النذري: آنية أسطوانية من المرمر، محفوظة اليوم في المتحف العراقي ببغداد، وهي مقسّمة إلى ثلاثة صفوف:
الصف الأول: يظهر المعبودة إنانا مرتدية ثوباً طويلاً، تمسكه بيدها اليسرى، بينما ترفع الأخرى لتبارك سلة فاكهة مقدَّمة من أحد الكهنة.
الصف الثاني: نُحت فيه عدد من الكهنة وهم يحملون القرابين.
الصف الثالث: مجموعة من الكباش والنعاج والنباتات التي تمثّل الأنواع الشائعة في ذلك العصر.
صيد الأسود: قصة تحمل العديد من التفسيرات. اللوحة نُحتت على حجر من الجرانيت الأسود، وتضم مشهدين:
الأول: يصوّر مقاتلاً يشدّ وتر قوسه ويطلق سهماً على أسد، وأسفل هذا الأسد أسد آخر يُصاب بسهم، وخلف المقاتل أسد ثالث صرعه بالسهم أيضاً. وقد رُسم المقاتل بزيّ يحمل سمات الحاكم.
الثاني: يصوّر المقاتل نفسه بالزي ذاته ممسكاً برمح، يتأهب لغرسه في عنق أسد يهجم نحوه.
ويختم هنري فرانكفورت تحليله للوحة صيد الأسود بملاحظة مهمّة: أن الجرانيت المستخدم في صناعتها أُحضر من حضارة الوركاء، لأن جنوب العراق يفتقد لهذا النوع من الحجر. ويرى أن المقاتل بزي الحاكم وصراعه مع الأسود يرمزان إلى الكفاح المستمر من أجل تأمين الحياة في بيئتهم.






المزيد
الكاتب علاء فرحات.. رحلة إبداعية أثرت مكتبة دار نبض القمة
المشهد يتكرر.. فهل نتعلم أم نُصفِّق من جديد؟
بين الخبرة والتجديد.. لماذا أصبح ضخّ دماء جديدة في الاتحاد ضرورة؟