مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

17/7/2020 17/7/2026 بقلم بلال حسان الحمداني

17/7/2020
17/7/2026

بلال حسان الحمداني
ومن حسناتِ هذا الحبِّ الشقيِّ أنه صيّرني أكتبُ للأطفالِ في أيامِ موالدهم، وأسعى جاهداً كي أرسمَ الفرحةَ على شفاههم، وألّا أُذيقهم مرارةَ الأيام؛ لما علمتُه من قسوةِ طفولةِ تلك “الطفلة الشقية” التي لاحقتها عُقَدُ الطفولةِ حتى في كِبَرها. ربما كنتُ ألتمسُ لها الأعذارَ كثيراً بما علمتُه من شقاءِ طفولتها، وإن لم يكن ذلك مبرراً كافياً، غيرَ أن لساني ما زالَ يلهجُ بـ: “غفرَ اللهُ لها”. لعلها كانت ردةَ فعلٍ مني، لكنني أستذكرُ أنني كنتُ قريباً من الأطفالِ منذ مطلعِ شبابي، وكانوا قريبينَ مني، غيرَ أن هذا الحبَّ منحني شعورَ الأبوةِ قبل أن أكونَ أباً، فأمسيتُ أرى في كلِّ طفلٍ ابناً لي.
فاليومُ هو ذكرى ولادةِ “المثنى”، ابنِ عمي الذي كان آخرَ مَن شهدتُ ولادتَه قبل أن أرحلَ إلى إسطنبول، فلم أشهدْ مراحلَ كِبَرهِ الأولى. سماهُ عمي “المثنى” تيمناً بالفارسِ “المثنى بنِ حارثةَ الشيباني”.
وحينما عدتُ بعدَ سنةٍ للبدءِ في دراستي، وجدتُه قد خطا خطواتِه الأولى بنجاح. كان يزعجني بعبثيتِه وشقاوتِه، ولا سيما عبثه بكتبي وتمزيقه لصفحاتِها، حتى بتُّ لا آمنُ أن أتركَ كتاباً على الأرض، وتزامنتْ تلك الفترةُ مع بدايةِ شغفي بالكتبِ والقراءة، فكنتُ أمازحُه وأنعته بـ “إبليس”. كبرَ هذا الطفل، وبدت جراءتُه واجتماعيتُه؛ فلم يكن يخشى أن يقتحمَ كلَّ مجلسٍ في بيت عمي -الذي لا يفرغُ من ضيفٍ آتٍ أو طارقِ ليل- وكان يقتربُ من الرجالِ ويجالسهم دون أن يبكيَ أو يهاب.
ولما كبرَ قليلاً، هدأَ طبعُه، لكنْ برزتْ شخصيتُه الفكاهيةُ التي تُطلقُ النكاتِ رغم صغرِ سنه. كان عمي يحبُّه أيما حب؛ فكلما غضبتُ منه، ابتسمَ عمي وأخذه إلى حضنهِ مقبّلاً إياه، وهو يقول: “هذا.. أُقبّلُ لعابَه أيضاً!”. وبدأَ يقتربُ مني، يحبني وأحبُّه، وقد صيّرني الحبُّ قادراً على احتمالِ عبثهِ وشقاوتِه. فقد كان هو وتِرْبُه “الهيثم” (من أمّهِ الثانية)، وأختاهُ “روعة” و”إسلام” اللتانِ وُلدتا بعده، الأحبَّ إلى قلبي لصغرِ سنهم.
ها هو الآنَ وقد بلغَ السادسةَ من عمره، اكتملتْ شخصيتُه المرحةُ وروحُه الفكاهية، فلا يبرحُ يُطلق النكاتِ ضاحكاً ومازحاً. يأتيني أحياناً ويهمسُ لي: “سأشاوركَ في أمر”، ثم يضعُ فاهُ على أذني، ويُطلق ضحكةً رنانةً قائلاً: “أمزحُ معك، لا شيء!”. أو ينادي عليَّ لأمرٍ ما، وما إن أنهضُ حتى يُقهقه ويقول: “لا شيء!”. وما إن أهُمُّ بالذهابِ إلى مكانٍ حتى يتعلقَ بي ويطلبَ مرافقتي، فلا أقوى على ردِّه. فرغمَ ما ذكرتُ من جراءتِه، إلا أنه يمتلكُ نفساً رقيقةً وحسّاً مرهفاً، وما إن يُقسى عليهِ بكلمةٍ حتى تترقرقَ عَبرتُه.
أتضرعُ للهِ عز وجل أن يكتبَ له ولإخوتِه السعادةَ والهناء، وعمراً مِلؤُه الفرحُ والسرور، وأن تسوقَ لهم الأقدارُ كلَّ خيرٍ وتوفيقٍ وسداد، وأن يحيوا على حُبِّ اللهِ ورسولِهِ ﷺ، محاطينَ بكلِّ ما في الحياةِ من حُبٍّ وحنوّ، وألّا يتجرعوا مرارةَ القسوةِ أبداً.
بلال، الذي شهد يوم مولدك في مشفى الخامس عشر من تموز، وكان أول من نقل البشارة بقدومك. فإن غبت يومًا، فتذكر أن هناك من أحبك منذ اللحظة الأولى.
قونيا – 17/7/2026