الكاتبه /إيمان يوسف احمد
لم يعد التنمّر مجرّد سلوك عابر أو كلمة جارحة تُقال في لحظة غضب، بل أصبح ظاهرة خطيرة تهدد استقرار المجتمع النفسي والاجتماعي. التنمّر يترك أثرًا عميقًا لا يُمحى بسهولة، قد يبدأ بكلمة استهزاء، أو نظرة تقليل، ثم يتطور إلى سخرية علنية، وإقصاء اجتماعي، وربما عنف جسدي يترك ضحاياه محطّمين من الداخل.
الأخطر في قضية التنمّر أنّها لا تقتصر على المدارس أو الأطفال فحسب، بل تمتد إلى الجامعات وأماكن العمل وحتى داخل البيوت. الطفل الذي يُستهزأ به بسبب شكله أو طريقته في الكلام قد ينشأ بشخصية مهزوزة، يفقد الثقة بنفسه، وربما ينغلق على ذاته. أما الموظف الذي يتعرض للسخرية المستمرة في بيئة عمله، فسرعان ما يفقد الحافز، وينعكس ذلك على إنتاجيته وحياته كلها.
تشير الدراسات الحديثة إلى أنّ ضحايا التنمّر أكثر عرضة للاكتئاب والعزلة وربما التفكير في إنهاء حياتهم. وهذا وحده كفيل بأن يدق ناقوس الخطر. كيف لمجتمع يسعى للتقدم أن يتجاهل هذه الجراح الصامتة التي تفتك بأبنائه من الداخل؟ هنا يظهر دور الإعلام، والمدارس، والمؤسسات التربوية في نشر ثقافة الوعي، وتدريب الأفراد على مواجهة التنمّر بالطرق الصحيحة، لا بالصمت أو الاستسلام.
ولأن التنمّر يزرع الخوف والكراهية، فهو لا يدمّر الأفراد فقط، بل يهدم روابط المجتمع ويخلق أجيالًا مليئة بالعقد النفسية. ولهذا أصبحت الحاجة ملحّة إلى تعليم الأطفال منذ الصغر معنى احترام الآخر وتقدير الاختلاف. فالتربية السليمة لا تبدأ من الكتب وحدها، بل من القدوة في البيت والمدرسة والمجتمع.
كما أنّ مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تشريعات رادعة تضع حدودًا واضحة، حتى لا يظل المتنمّر محميًا بالصمت أو الاستهتار. المسؤولية لا تقع على الضحية وحده، بل هي مسؤولية جماعية. علينا أن نتوقف عن الصمت الذي يشجّع المتنمّر، وأن نقف بجانب كل من يتعرض للأذى. كلمة دعم صادقة قد تعيد الأمل، وموقف عادل قد ينقذ حياة إنسان.
في النهاية، يبقى السؤال: أي مجتمع نريد أن نصنعه؟ مجتمع قائم على الاحترام والرحمة، أم مجتمع يبرر السخرية والنبذ؟ إن مواجهة التنمّر ليست خيارًا، بل ضرورة إذا أردنا أن نبني مستقبلًا أكثر أمانًا وعدلًا لأبنائنا.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي