للكاتبة: رنا السيد عبدالرحمن
هذه القصة لا تعد دستورًا يجب اتباعه، أو يحق للقارئ تقليد ما سيحدث بها
بل اختارت الكاتبة هذه الفكرة التي جُسدت في الأحداث لتُعقب على نهايتِها
فعليكَ أيها القارئ أن تتجنب الأفكار السامة التي تدس في بعض الكتابات، كما يجب عليك اختيار المفيد واستخلاص العِبر منها، فالقراءة غذاء العقل …والروح
فلا تجعلها تُنافي ذلك.
في مكانٍ بعيد، كبُعدِ وجهات نظر أهالي هذا الجيل عن وجهات نظر أبنائهم
في مكانٍ ما، حيثُ الطبيعة الخلابة؛ أشجارٌ وطيورٌ وبحر ومقعد وأحدهم!
مكانٌ عام تملؤه البشر في الثانية بعد ظهر يومِ الخميس…أصواتٌ هنا وهناك، ضحكاتٌ متبادلة صاخبة تخترق رأس صاحبنا!
يجلسُ على مقعدٍ خشبي بحوزته قلم وممحاة وأوراق لتدوين الملاحظات وبعض الأوراق البالية كنفسيته.
يبدأُ بالعَد حتى وصل لرقم سبعة فقرر بداخله جعل قصته بعنوان “سبعة”
قاصدًا سبعة مشاعر مختلفة، سبعةُ دقائق يقضيها على المقعد… أم سبعة أيام، أو ربما أعوام التعافي!
سبعةُ مشاعرٍ مختلطة تتناطح بداخله وتتصارع بحلبةِ الجوف أيٌ منها ستنقض عليه وتفتك به أولًا!
سبعةُ مشاعر بذكرياتِ أعوام
سبعة بسبعةِ دقائق فيختنق ويهم بالرحيل كمن لدغه ثعبان ولا يقوى على الصراخ!
صوتُ من خلفه يشتت سرعتَه في جمعِ أدواتِه من المقعد:
_سيف؟ مرحبًا يا صديقي، مضى وقت طويل منذ آخر مرة رأيتك، كيف حالك؟
_زين! بخير وأنت كيف حالك؟
_بخير…اممم أكنت راحلًا أم لمحتَ طَيفي فوددت الرحيل؟ قالها زين عابثًا
_سيف متناسيًا ما بجوفه عابثًا: نعم كذلك، أحسنت عزيزي زين
_رد زين عابثًا أيضًا: فلتجلس معي قليلًا إذًا فلن آخذ من وقتك شيئًا فأنا أعلم أن تفكيرك ذهب برحلةٍ جديدة في إحدى رواياتك القادمة أيها المشاكس…إنه زين صديق سيف، علاقتهما ليست بالمتينة ولكن لا بأس بها، كلٌّ منهما يحب الآخر وحديثهما يطغى عليه المرح والمشاكسة أيضًا…
_أجابه سيف: ونظرًا لأنك عزيزي زين تتحدثُ في مواضيعٍ هامّة كهروبِ كلبِك مع كلبةٍ ضالة وغرفتك التي تملأُها أوراق الحائط البالية والتي تود تجديدها ولكنك لا تملك وقتًا لها لأنك تتسكعُ في الجوارِ مع صديقٍ جديدٍ كالذي بيدِك الآن “يقصدُ قطًا أسود اللون عيناهُ زرقاوتان”..فأنا أوافق، كم أنا بحاجةٍ لهذه المحادثاتِ الهامة حقًا، فرأسي تملأُها أمورٌ ليست بهذه الأهمية…تفضّل ولديكَ تصريحٌ مني بأن لديك متسع من الوقت فلتتحدث كما تريد…
_ حسنًا، ولكن ما رأيك بأن نتشارك ما بداخلك هذه المرة؟
سأستمع لأحاديثك الغير مهمة ولننسى أحاديثي المهمة هذه “زين ضاحكًا”
_امممم، ليس بداخلي شيء، إنها فقط بعض الأمور.. لا شيء، لا تُبالي. “سيف”
_وقعت عين زين على رقم سبعة الذي دُون على إحدى الأوراق فنظر لصديقه معاتبًا: ” ألم تنسَ بعد؟ بعد مُضي هذا الوقت لازلت تتذكر ما حدث منذ ذلك اليوم؟ ألم تتأقلم بعد؟”
_سيف بنبرةٍ هادئة منكسرة: ” صرتُ وحيدًا، بلا أهل، أصدقاء، حتى من أحببت! فكيف لي بالتأقلم؟ مازلت أسيرًا الماضي يا زين.. لا أستطيع التخطي، هربتُ بين شخصيات رواياتي حتى أنسى الواقع ومازال معي، لن أنسى…بل سيظل يؤرقني حتى الممات”.
_يا صديقي لا تستسلم، أعلم أن الأمر صعب ولكن يمكنك التخطي، فلتتخذ مصدر ضعفك قوة، والله لن يتركك، إنه ابتلاء وعليك التحلي بالصبر، لا نعلم حكمة الله من ذلك الأمر ربما لو كانوا على قيد الحياة ما كانت صحتهم ستكون جيدة.
بل ربما أنت أيضًا لن تكون قادرًا على التكفل بكل ما سيحتاجانه، وتلك الفتاة ربما كانت ستكون غير صالحة، تجعلك محرجًا ممن حولك، أو ربما سيحدث لها أمر قهري يحطم قلبك، أليس كذلك ؟
اهدأ، اهدأ وحسب، فكر بإيجابية، اعمل بجد واسعى للنجاح وابحث عن مكانك المناسب.
_سيف: أنت لا تعلم إلى أي مدى الأمر صعب، ولو كنت مكانك لكنت سأقول نفس ذلك، ولكن لا يشعر بالأمر حقًا سوى من كان فيه، ولكن أشكرك على محاولاتك، وأود الرحيل فلست مستعدًا لسماع شيء الآن.
_زين بعدما لحقت في نفسه غصة من رد صديقه! بعدما علم كل شيء عنه ويعلم كم عانى أيضًا ومع ذلك أحرجه بحديثه…
تناسى رده وأضاف: أقدر أن الأمر صعب وأنك منهك وحديثك نبع دون تفكيرٍ منك، يمكنك الرحيل يا سيف، واهتم بصحتك ولا تقصر بحق نفسك، ربما فترة ثقيلة وستكون بخير.
_سيف: أشكرك، إلى اللقاء.
وأخذ بأدواته وبدأ يتحرك بمحاذاة البحر حتى ابتعد مسافةً كافية، وصعد عدة درجات حتى وصل لكوبري عتيق وفكر قليلًا ثم أدار وجهه وذهب قاصدًا منزله.
https://everestmagazines.com/archives/53944
زين مازال جالسًا يفكر بكلمات صديقه، حلت الزكريات حلول الوحوش برأسه وتسارعت أيها ستفتك به، تذكر زوجته التي هجرته منذ أن كان مولودهما أتم السنة! ولم تمضِ سنة على وفاة والديه!
تذكر والده الذي أصابته أزمة قلبية حينما وصله خبر وفاة زوجته فتوفى!
فأصبح وحيدًا، يتسكع بكلبٍ وجده أوفى من أشخاص كثيرة دخلت حياته.
ربما سيف حزين للغاية فقال ذلك
لا بأس أقدر حزنه.
وهم بالرحيل
https://everestmagazines.com/archives/53959
_تفاجأ بصراخٍ قريب منه وأشخاص يسرعون بمحاذاة البحر ودقيقتان ووصلت سيارة إسعاف!
شعر بعجزٍ يتخلل جسده، لا تقوى قدماه على حمله!
ظن أن الأمر يتعلق بصديقِه
هرول للمكان حيث تجمع الأشخاص، أبعد شخصًا تلو الآخر ولكنه صدم حينما لمح شيئًا أحمر اللون كملابس صديقه!
ولكن لحظات ورأى ملامحه
لم يكن صديقه، مجرد تشابه وأشياء مشتركة…كالحزن أيضًا
اطمأن على حمل الرجل إلى السيارة ورحيلها والتقط هاتفه وحاول الاتصال بسيف ودقائق وأجابه فسأله زين عن حاله وهل وصل البيت أم ليس بعد فطمأنه صديقه واعتذر عما بدر منه وانتهى الحوار بارتياح الطرفين.
https://everestmagazines.com/archives/53957
وبعد عدة أيام
يجلس زين في مقهى قريب من البحر يحاول أن يفصل بين ماضيه وحاضره حتى يحسن استقبال مستقبله، يأتي ببالِه صديقه سيف فيحاول الاتصال به والاطمئنان عليه فقد مضى يومان منذ آخر اتصال، هناك جرس والمكالمة مازالت متصلة ولكن لا إجابة!
حاول الاتصال مرة أخرى ولكن لا يجيب!
قرر احتساء كوب القهوة اللذيذ هذا ومن ثم المحاولة، وبينما هاتفه بيده فتح أحد تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي وبينما هو يتنقل بين المنشورات وجد منشورًا به بعضٌ من السلبية فلمس الشاشة لأسفل ليعرف ناشره، فوجئ بأنه سيف!
حاول التدقيق أكثر ومعرفة إذا كان متصلًا!
ولكن لا شيء
أعاد النظر لنهاية المنشور ووقت نشره فوجده منذ خمس ساعات
كان قد انتهى من احتساء قهوته فقرر الذهاب لسيف، وحينما أنهى فاتورته خرج من المقهى وتوجه للطريق المؤدي لمنزل سيف ولكنه لمح كلبه يهرول خلفه!
دهش من ذلك فأسرع تجاهه ليجده مجروحًا وحالته سيئة وكأن هناك شيئًا قد حدث فأسرع به للمنزل ليجد المكان تبدل لحالةٍ ميؤس منها فتفقد المكان كاملًا واكتشف أنها حالة سرقة فأبلغ الشرطة وتم اتخاذ عدة إجراءات..
فلم يكن لديه وقت أو حقيقةً نسي الاتصال بصديقه مرة أخرى أو الذهاب إليه
وحينما حل الصباح توجه قبل ذهابه للعمل صوب منزل سيف ودق الجرس عدة مرات ولكن لا إجابة، حاول الاتصال عليه ولا يستجيب!
قرر كسر الباب أو اكتشاف أي طريقة للدخول
حتى تمكن من كسر الزجاج وإيجاد فرصة ودلف بصعوبة بالغة للغرفة ونادى صديقه كثيرًا وحينما وصل للشرفه وجده على الأرض غارقًا في دمائه!
فُزع مما رأى واستعاد صدمات عمره واحدةً تلو الأخرى ووقف كمن شُلت أطرافه!
استجمع قواه وتمالك نفسه وتصرف بحكمة ولكن
حينما جاءت سيارة الإسعاف كان ردهم بعد تفقده أنه وللأسف قد فارق الحياة عمدًا
لم يستطع سيف التجاوز
فقرر إنهاء الحزن
بكارثة أكبر
وازدادت صعوبة زين في مواجهة الحياة
فإما التصدى لكل ذلك أو الفشل، بعد وقتٍ ليس بقصير
لم يستطع وحده التعافي فبدأ بالعلاج النفسي على يد طبيبٍ مختص…






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق