مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قبل الهدنة

Img 20250203 Wa0084

 

كتبت: ملاك عاطف

قبل الهدنة كان كلّ حلالٍ يتقمّص طريقةً لإيلامنا؛ فالموسيقى كانت رفاهيةً وصارت كمفتٍ، فحرّمت معزوفاتها علينا، والبوح صار خمرًا بعد أن كان متنفّسنا، ثمّ حاد عنّا وتركنا للكتمان يعصرنا؛ خوفًا علينا من عقاب الآخرة، ومشاهدة برنامجٍ أو مسلسلٍ بات جريمةً يحاسبنا عليها قانون بثّ الجزيرة الّذي لا ينقطع، والنّوم دون كوابيس أضحى كفرًا ما دمنا نتّبع ملّة السّهر برفقة عقدة النّاجي نبكي صراخ رعبهم تحت القصف، والطّعام انتمى لفصيلة الماء؛ فنزع عنه مذاقه اللّذيذ، والسّمر حكم عليه انقطاع الاتصال بالسّجن خلف قضبان الغياب إلى أجلٍ غير معلوم، والحماس كان ممنوعًا؛ لكي لا تصبّ حناجرنا ردود أفعال فرحنا في صيحاتٍ تجفل أمانهم، وإن لم نكن نقصد إيذاءهم، فالذّعر يتملّكهم رغمًا عنّا وعنهم، والبيت انضمّ إلى جماعة الرّفاهيّات؛ فلم يسمح لطفولتنا أن تتشاجر مع إخوتنا الصّغار أو تنهرهم للكفّ عن إزعاجٍ ينبثق من لعبهم أو أفلام الكرتون التي تصدح حتّى يسمعها الجيران معهم؛ لأنّهم يعيشون في الخيام، والدّعاء علينا من بعضهم صار جائزًا لهم؛ لأنّهم يلاقون الويل، وما لنا سوى الصّبر على كلامهم وتجاهله. وبعد كلّ هذا، سرت الهدنة في شريان حياتنا؛ لنحيا من جديد، ولم يصدّق أحدٌ أنّا هنا في الضّفّة الغربيّة مثلهم، محاصرون بالتّفرّج القصري، ومبعدون بقنابل الغاز والاعتقال والضّرب، ولم يعلم أحدٌ أنّا كلّنا في هواء الفقد والقهر سواء، وأنّ الفرق بيننا وبينهم هو أنّا نفينا نحن ومشاعرنا وكينونة روتيننا إلى اللّا شيء؛ فصارت مشكلاتنا الصغيرة تفاهةٌ وعيب، وأحلامنا مؤجّلة؛ احترامًا لهم، وطلباتنا قيد القمع غالبًا؛ بسبب تدهور الاقتصاد في حفرة الرّكود، ولأنّا بألف نعمة، ولأنّا علينا أن نقارن حالنا بحالهم، وحين ترتفع كفّة عيشنا، يُعلنُ علينا وجع الرّغد، ونبقى خارج الحسبان. لكن لا بأس؛ فهم ليسو مجبرين على دفع ثمن البلاد وحدهم، ومن كانت يده في النّار وحبس بصموده دمعة ليس كمن كانت يده في الماء وخجل من عفويّةٍ خرجت على هيئة ضحكة.