للكاتب/ عمرو سمير شعيب
نقضي أعمارًا كاملة ونحن نطارد فكرة واحدة: أن نصبح “أقوى”. كأن القوة غاية نهائية، وكأن الإنسان مشروع شدٍّ دائم، لا يُسمح له بالارتخاء إلا بوصفه فشلًا. تُبنى التربية الاجتماعية والنفسية على هذا الافتراض الخفي: تحمّل أكثر، اشتكِ أقل، تماسك، واصل، لا تتوقف. ومع الوقت، لا تعود القوة خيارًا، بل واجبًا أخلاقيًا، ومن يعجز عنها يُنظر إليه بوصفه ناقصًا، أو غير ناضج، أو لم يتعلم بعد “كيف تكون الحياة”.
غير أن هذا التصور للقوة لا ينبع من فهم الإنسان، بل من خوف المجتمع من الهشاشة. فالهشاشة تُربك، تُذكرنا بأننا لسنا مكتفين، ولا مكتملين، ولا محصنين كما نحب أن نصدق. لذلك نُدرَّب منذ الصغر على إخفائها، لا على فهمها. نتعلم كيف نتماسك أمام الآخرين، لا كيف نكون صادقين مع أنفسنا. كيف نُدير صورتنا، لا كيف نُصغي إلى حقيقتنا. وهكذا تتحول القوة من علاقة متوازنة مع الذات، إلى قناع طويل الأمد نرتديه حتى ننسى ملامح وجوهنا تحته.
نكبر ونحن نخلط بين الصبر وإنكار الألم، وبين النضج وتراكم التعب. كلما احتملنا أكثر، قيل لنا إننا أصبحنا “أقوى”، دون أن يسأل أحد: ماذا نفعل بكل هذا الإرهاق المؤجل؟ أين يذهب التعب الذي لا يُعترف به؟ الحقيقة أنه لا يختفي، بل يتحول. يتحول إلى قسوة داخلية، إلى فتور، إلى شعور خفي بالاغتراب عن الذات، إلى حياة تُدار بالواجب لا بالرغبة، وبالاستمرار لا بالمعنى.
الفلسفة، في أحد وجوهها، ليست بحثًا عن أجوبة كبرى، بل تفكيك للمسلمات الصغيرة التي نحيا داخلها دون مساءلة. وإحدى أخطر هذه المسلمات أن القوة تعني الاحتمال فقط. لكن ماذا لو كانت القوة، في معناها الأعمق، هي القدرة على التمييز؟ التمييز بين ما يجب تحمله، وما يجب التوقف عنده. بين الألم الذي يُنمّي الوعي، والألم الذي يستنزف الإنسان باسم الفضيلة. بين الصبر بوصفه اختيارًا، والصبر بوصفه قهرًا مقنّعًا.
متى كانت آخر مرة جلس فيها الإنسان مع ذاته دون دور؟ دون أن يحاكم مشاعره أو يعيد صياغتها لتبدو أكثر قبولًا؟ الجلوس مع الذات فعل فلسفي بامتياز، لأنه يعرّي الإنسان من الأدوار، ويضعه وجهًا لوجه أمام سؤال بسيط ومخيف في آن: من أكون حين لا يُطلب مني شيء؟ كثيرون يهربون من هذا السؤال، لا لأنه معقد، بل لأنه يكشف حجم التعب الذي راكمناه ونحن نظن أننا ننضج.
أما قول “لا أعلم”، فهو أحد أكثر الأفعال التي أُسيء فهمها. يُنظر إليه كعلامة ضعف، بينما هو في حقيقته اعتراف بحدود الوعي، وحدود السيطرة، وحدود القدرة. الفلسفة نفسها لم تبدأ بيقين، بل بدهشة. والدهشة لا تقول “أنا أعلم”، بل تقول “لا أدري”. في هذا الاعتراف تتراجع وهم السيطرة، ويبدأ شكل آخر من القوة: قوة لا تقوم على الادعاء، بل على الصدق.
النضج، إذا أُعيد التفكير فيه، لا يُقاس بطول الاحتمال، بل بعمق الفهم. بقدرة الإنسان على قراءة ذاته دون قسوة، وعلى ممارسة الرحمة دون تبرير، وعلى التوقف دون شعور بالخيانة. الرحمة بالذات ليست استسلامًا، بل موقفًا أخلاقيًا من النفس. أن تعترف بتعبك يعني أنك تراك إنسانًا لا آلة. وأن تتوقف حين تحتاج يعني أنك تعترف بحدودك لا كعار، بل كجزء من وجودك.
ربما لا نحتاج أن نصبح أقوى كما يُطلب منا، بل أصدق مما نجرؤ. أن نخفف من صلابة صورنا، لننقذ هشاشتنا من العطب. فالقوة التي تُبنى على إنكار التعب تُنتج إنسانًا قادرًا على الاستمرار، لكنه عاجز عن الشعور. أما القوة التي تعترف بالتعب، فهي التي تُعيد الإنسان إلى ذاته، وتمنحه حقًا بسيطًا لكنه جوهري: أن يكون، لا أن يتظاهر فقط بأنه كذلك.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق