مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في محطة القطار

Img 20250116 Wa0047

“كتبت منال ربيعي 

 

كانت تجلس على المقعد الخشبي البارد في محطة القطار، تحمل حقيبة صغيرة وبقايا حلم. الليل يلف المكان بعباءته الثقيلة، وأصوات الصمت تتداخل مع أنين الرياح. كانت المحطة شبه خاوية، إلا من عامل نظافة يجمع فتات الأوراق وصوت قطار بعيد يكاد يُسمع همسه.

 

تمرّ اللحظات بطيئة، كأنّ الزمن يتوقّف ليُحدّق في عينيها المثقلتين بالأسئلة. القطار الذي تنتظره قد تأخر، لكنها لم تكن واثقة إن كانت تريده أن يصل، فقد كانت تخشى أن تكون وجهته الأخيرة ليست وجهة قلبها.

 

مرّ شاب بجوارها، عابرًا بحذاء مغبرّ ووجه يحمل قصصًا لا تعرفها. نظر إليها للحظة، وكأنه قرأ في عينيها حكاية غائبة. ثم واصل طريقه دون كلمة، تاركًا وراءه أثرًا غريبًا.

 

نهضت بعده بلحظة، كأنّ خطاه سحبتها معه. وضعت الحقيبة على كتفها، ثم مشت نحو باب المحطة، مترددة للحظة قبل أن تعبره. تركت خلفها المقعد الخشبي، والقطار الذي لن يأتي، والأحلام التي لم يعد قلبها يجرؤ على حملها.

 

وفي قلب الليل، عادت لتواجه طريقها المجهول، متيقنة أن بعض الرحيل يبدأ بخطوة واحدة نحو النفس. توقفت أمام الميدان الكبير، حيث كانت الشوارع هادئة، والمصابيح تلقي بظلالها على الأرصفة. شعرت بشيء من السكينة يتسلل إلى قلبها، وكأنها بدأت تستعيد جزءًا من ذاتها المفقودة.

 

عادت خطواتها لتصبح أكثر ثباتًا. لم تعد بحاجة إلى القطار، فالطريق أمامها كان يكفي ليحملها إلى بداية جديدة. فتحت الحقيبة الصغيرة وألقت نظرة أخيرة على دفتر مذكراتها القديم، ثم أغلقته وهمست: “ربما حان وقت الكتابة من جديد.”

 

“بعض الرحيل لا يحتاج قطارًا، بل يحتاج شجاعة للحياة.”