المحرر: أحمد صلاح
أود أن أعبر عن سعادتي في إجراء ذلك الحوار مع الشاعر المصري ابن مدينة المنصورة ـ الأستاذ عبد العزيز الشراكي ـ صاحب ديوان “بوح الروح” والصادر عن دار نبض القمة للنشر والتوزيع والترجمة.
1-في البداية، كيف تُعرّف الشعر لنفسك بعيدًا عن التعريفات المدرسية والنقدية؟
الشعر بهجة للروح حتى لو كان تعبيرا عن الحزن والألم
2-متى أدركت لأول مرة أنك لا تكتب الشعر، بل أن الشعر هو من يختارك؟
- الموسيقى التى جذبتني إلى الشعر، وأعتقد أن الموسيقى هى أم الفنون، وقد وجدت نفسي تعبر تعبيرا موسيقيا عما بداخلي، وكنت صغيرا في المرحلة الابتدائية من عمري، أطال الله في الصحة والعافية والسعادة أعمارنا جميعا
3- ما اللحظة أو التجربة التي يمكن اعتبارها الشرارة الأولى لمسيرتك الشعرية؟
-الحب البريء الذي يضيء حياة الصغار الأبرياء ويدفعهم دفعا إلى التعبير عنه في صورة لها خصوصيتها وجاذبيتها؛ كي تنال رضا من نحب أولا ثم رضا الآخرين آخر الأمر، وتفرع الأمر بعد ذلك إلى المزيد من حب الأشخاص والأزمان والأماكن والمعاني.
4- إلى أي مدى ترى أن معاناة الشاعر شرطٌ لازم لولادة القصيدة؟
-المعاناة ضرورة عظيمة للشاعر، بداية من إحساسه الصادق بما يبدع، ومعاناة الكتابة حين يعبر تعبيرا جذابا بعيدا عن التقليدية والمباشرة والخطابية والاستسهال، وهنا أود أن أشير إلى مسألة الطبع والصناعة، فلا أعتقد أن القصيدة التي تُكْتَبُ في جلسة واحدة سيكتب لها النجاح، كان أحد الشعراء يكتب قصيدة رثاء في أم الخليفة وهي على قيد الحياة، فسئل عن ذلك؛ فأجاب أن الأمر يقع ويطلب منه الشعر فلا يكون معدا بطريقة ترضيه، كذلك الفرزدق يقول: يأتي على وقت يكون فيه خلع ضرس أهون عليَّ من كتابة بيت من الشعر، ويقولون إن أبا العلاء المعري حين قال:
هَــذَا جَــنَاهُ أَبِي عَلَيَّ
وَمَا جَنَيْتُ عَلَى أَحَد
كان هذا القول تعبيرا عن معاناته في الشعر
وأنا دائما أحب أن أقف في جانب الصنعة، ولكنها صنعة في إخفاء الصنعة من غير تكلف ولا افتعال
يقول الحطيئة:
فَالشِعرُ صَعبٌ وَطَويلٌ سُلَّمُه
5- هل تكتب بدافع الفكرة أم بدافع الشعور، أم أن القصيدة تفرض منطقها الخاص؟
-دوما أنتصر للشعور؛ فالجاحظ يُشير إلى أن المعاني الأساسية والأفكار المشتركة متاحة للجميع للعربي والعجمي، للبَدَوي والقروي، “فالمعاني مطروحة في الطريق”، وأن التميز الحقيقي يكمن في اختيار الألفاظ المنسقة، وبراعة السبك، وصحة التركيب، وإقامة الوزن في الشعر، وجمال التعبير؛ فالمعنى يسهل الحصول عليه، ولكن الصياغة الفنية هي التي تبرز البلاغة، وتجعل الكلمة حية ومؤثرة؛ فالشأن دوما في التعبير عن الموضوع، وليس في جلال الموضوع، أتذكر أحد الشعراء حين سئل عن الفرق في الكتابة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم أم في وصف الخمر: فأجاب أن الشأن في النجاح في التعبير بعيدا عن جلال الموضوع.
6- كيف تتعامل مع لحظة الجفاف الإبداعي إن حضرت؟
-كنت قديما أستسلم للحظات الجفاف وربما أتوقف تماما لمدة طويلة قد تصل إلى شهور، وربما كتبت عدة أبيات وأضاعتها لعدم اكتمالها، ولكني اليوم أيقنت أن المسألة مثل عمل النحل تماما تعتمد على المزيد من القراءة للشعراء حتى تنتج عسلا جديدا، فحين يبتعد الشعر عني أنغمس في القراءة أكثر، وأعتقد أن الشعراء العرب مزاجيون إلى حد ما في هذا الأمر، فهم ينتظرون الإلهام الذي قد يتأخر كثيرا، أما شعراء الغرب فهم يذهبون إلى الشعر بتخصيص وقت يومي للقراءة، وكذلك للكتابة إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا
7- أيهما أقرب إليك: القصيدة التي تُكتب بسهولة، أم تلك التي تُرهقك حتى اكتمالها؟ ولماذا؟
-كلما زادت المعاناة والتنقيح والتجويد للقصيدة زاد احتمال نجاحها إن شاء الله، حينما تكتب القصيدة تظن أنها القصيدة الأخيرة، وقد لا تكتب بعدها قصيدة أخرى؛ ولذا يجب عليك الاحتشادُ بكامل قواتك النفسية والعقلية والجسدية؛ لتكون هذه القصيدة أجمل من كل ما كتبت.
8- هل ترى أن الشاعر مطالب بأن يكون شاهدًا على عصره، أم أن الشعر فعلٌ ذاتي خالص؟
-نعم، على ألا يكون ذلك تكليفا نابعا من خارج نفسه، فإنه إذا التفت إلى نفسه بصدق عبر عن المكان والزمان، وصار شعره شعرا إنسانيا يكتب له الخلود
9- كيف تنظر إلى العلاقة بين اللغة الشعرية والجمهور العريض؟ وهل تسعى للموازنة بين العمق والوضوح؟
-أعتقد أن الانجراف وراء الحداثة أدت إلى ابتعاد الجمهور عن الشعر، وهذه لا شك مسئولية الشعراء، وفي الجانب الآخر لا بد من أن يقوم المتلقي بدوره في تلقي النصوص دون ملل أو كسل، قيل يوما لأبي تمام: لماذا تقول ما لا يُفهم، فقال: ولماذا لا تفهمون ما يُقال؟
ولهذا السبب كتب فيثاغورث على باب مقر دروسه: ”من لم يكن منكم مهندسا (أي يفهم الرياضيات) فلا يدخل علينا” ، والحقيقة أن هذا من طبيعة التنوع بين البشر، فلكل قدرته العقلية التي يحكمها
والخلاصة في ذلك لا بد من نقطة يتلاقى فيها المبدع والمتلقي دون تهوين أو تهويل
10_إلى أي حد تأثرت بتجارب شعرية سابقة، عربية أو عالمية، في تكوين صوتك الخاص؟
-تأثرت بشعراء وكتاب كثيرين أحببتهم جدا، وربما وجد القارئ أرواحهم فيما أكتب، مثل : البهاء زهير، عنترة بن شداد، المتنبي، ابن الرومي، محمد إبراهيم أبو سنة، أمل دنقل، نزار قباني
11- هل تؤمن بوجود «قصيدة كاملة»، أم أن كل نص يظل قابلًا لإعادة النظر؟
-لا، مؤكد هناك إعادة نظر قد تكون في صالح العمل عملا على الارتقاء في سُلَّم البلاغة والجمال الفني
12- ما المعايير التي تجعلك راضيًا عن قصيدة نشرتها؟
-أولا: ألا تكون مباشرة تعلو بها نبرة الخطابية
ثانيا: أن تكون سليمة في اللغة والموسيقى
ثالثا: أن تصل إلى القارئ دون معاناة منه
أخيرا: أن يكون بها رمز أو تصوير مجنح أو تعبير مبتكر.
13- كيف تقرأ المشهد الشعري العربي المعاصر اليوم؟
-أنا أؤمن بوجود الكثيرين من الموهوبين في كل مكان وزمان؛ فالله سبحانه يعطي لكل زمان موهوبين في كل مجال، ومن الغفلة أن ندعى أن الشعر قد مات؛ فالمسألة فقط تحتاج إلى البحث عن هؤلاء الموهوبين الذين نستضيء بهم في حياتنا، وكأنهم الكهف الذي نلجأ إليه عندما تحاربنا الدنيا؛ لنستعيد قوانا ونتمكن من الاستمرار في الحياة بسعادة قدر الطاقة
14-هل ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي خدمت الشعر أم أضرّت به؟
-الشعر يجمِّل كل مكان، وقد قرَّبت وسائل التواصل الشعر من نفوس الشباب؛ فالمنفعة لا شك متبادلة.
15- ما الفارق بين القصيدة المكتوبة للنشر الورقي، وتلك التي تُلقى على المنصات أو تُتداول رقميًا؟
-ربما يضع شاعر المنصات المناسبة في اعتباره أولا، وإذا كان الشعر عموما قائما على مناسبة ما؛ فإنه يجب ألا يكون الشاعر مضطرا للكتابة استجابة لهذه المناسبة أو تلك، وإنما الشأن أن تكون المناسبة قد أثرت فيه ودفعته دفعا للكتابة، وأنا أظن أن هذا الأمر يوجد في النشر الورقي أكثر من إلقاء الشعر المرتبط بمناسبة ما
16-هل تميل إلى التجريب في الشكل والبنية، أم تفضل الوفاء للأشكال الشعرية التي اعتدتها؟
-أحب أن يكون الشعر شعرا، ولا أحبذ الانجراف في شعر يبعد الشعر عن جماله، أحب الشعر المنهجي والشعر التفعيلي، وأحب شعراء قصيدة النثر ، ولكنني لا أعتقد أن قصيدة النثر ستبقى مع الزمان.
17- ما النص أو الديوان الذي تشعر أنه يمثلك أكثر من غيره حتى الآن؟
-الغرفة رقم ٨ لأمل دنقل رحمه الله
18- ماذا بقي في داخلك ولم تستطع القصيدة أن تقوله بعد؟
-القصيدة جمالها في إشاراتها لا في تصريحها، أعتقد أن القصيدة تتابعني دوما، تعالجني نفسيا وعقليا وجسديا، هي دواء لكل أوجاعي إذا ظهر لي ماأحب وما أكره وما أخافه وما أخجل منه وقفت إلى جواري بكل شجاعة وحنان وجمال
19- أخيرًا، ما النصيحة التي تود توجيهها للشعراء الشباب في بداياتهم؟
- أن يؤمنوا بموهبتهم، وأن يصقلوا هذه الموهبة بقراءات متنوعة للشعراء السابقين دون استعجال
والنشر في المجلات الأدبية؛ لأن النشر يؤكد لنا أننا نسير في الطريق الصحيح؛ لأنه اعتراف بجودة ما يكتب من كل مجلة ننشر بها، ثم نعمل بعد فترة على نشر الكتاب الأول إن شاء الله






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب