حوار: آيه طه.
حياة محمد الفتاة التي استطاعت أن تحجز لنفسها مكانًا في قلوب القرّاء بأسلوبها الإنساني العميق وقصصها الواقعية التي تمسّ وجدان المجتمع. تحدثنا معها عن بداياتها، مصادر إلهامها، وتفاصيل رحلتها مع الكتابة.
– كيف بدأتِ رحلتكِ مع الكتابة؟
نشأت في بيت يُعشق فيه القراءة، رغم أن والدي لم يكن متعلّمًا، إلا أنه كان مثقفًا بدرجة كبيرة. كانت لدينا مكتبة عامرة بكتب لكتّاب كبار مثل طه حسين، ونجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف إدريس، وعبد الحميد جودة السحار، ويحيى حقي، بالإضافة إلى كتب دينية لمصطفى محمود وبنت الشاطئ. تلك الروايات والكتب هي التي غذّت خيالي وشجّعتني على الكتابة.
– ما الذي ألهمكِ لكتابة أول عمل أدبي؟
كان الأمر بمثابة تحدٍّ بيني وبين صديقة لي، وذلك في فترة كنا فيها مولعين بالمسلسلات المكسيكية التي غالبًا ما تُظهر المعالم السياحية كنوع من الترويج. فقررت أن أتحداها بقصة مصرية تتفوق على تلك المسلسلات، وتعكس جمال الأماكن الأثرية والتاريخية في مصر. ومن هنا بدأت أروي لها قصة “دموع الياسمين وابتسامتها”، والحمد لله، كسبتُ التحدي.
– هل كان هناك موقف معين دفعكِ لأن تصبحي كاتبة؟
كنت أروي قصصي ورواياتي شفهيًا لبعض الصديقات، ثم رغبت في توثيق أحداث رواية “دموع الياسمين” حتى لا أنساها، ومن هنا بدأت فكرة الكتابة الفعلية.
– هل حصلتِ على دعم من المحيطين بكِ حين بدأتِ الكتابة؟
نعم، لقيت دعمًا كبيرًا من زوجي وأولادي وإخوتي، لكن أعظم داعم لي كان والدي، ولا أنسى أبدًا نظرات الفخر التي كنت أراها في عينيه وهو يسألني عن كتاباتي وأعمالي.
– أي عمل من أعمالكِ هو الأقرب إلى قلبكِ؟ ولماذا؟
رواية “دموع الياسمين وابتسامتها”، لأنها أول أعمالي، ومن خلالها تعرّف المتابعون على كاتبة اسمها حياة محمد. كما أنها قصة متكاملة، تحوي قصة حب راقية، وشهامة أولاد البلد، وفيها انتصار للخير على الشر.
– ما المواضيع التي تفضلين تناولها في كتاباتك؟
رواياتي تتخذ الطابع الاجتماعي الإنساني، وغالبًا ما تكون العائلة هي البطل الرئيسي في أعمالي. أحبّ جدًا أن أكتب عن دفء العائلة، ولمّ الشمل، والترابط الأسري.
– هل تحاولين إيصال قضية معينة دائمًا من خلال أعمالكِ؟
نعم، أحاول دائمًا إيصال رسالة مفادها أن الأمل في الغد لا يغيب، ومهما اشتدت عليك الحياة وأُغلقت الأبواب، فباب الله لا يُغلق أبدًا.
– هل تفضلين الأسلوب الرمزي، الواقعي أم الخيالي في السرد؟
أفضل الأسلوب الواقعي، وأكره المبالغة في الأحداث. أؤمن أن الأدب هو مرآة المجتمع، والكاتب الحقيقي هو من يستمد أفكاره من الواقع المحيط به.
– هل تمرين بفترات انقطاع عن الكتابة؟ وكيف تتعاملين معها؟
بالطبع أمرّ بفترات انقطاع، خاصة بعد الانتهاء من كتابة رواية طويلة، أشعر برغبة شديدة في الراحة وتصفية الذهن. خلال تلك الفترات، أستمتع بقراءة أعمال الآخرين.
– كيف تنظمين وقتكِ بين الكتابة والحياة الشخصية؟
زوجي يعمل في منطقة بعيدة، وأولادي أصبحوا كبارًا ويدركون أنني أحتاج إلى وقت لنفسي. عادةً ما أكتب في المساء، إلا إذا كنت ملتزمة بموعد نشر أو تسليم، فقد أكتب طوال اليوم دون توقف حتى أنتهي.
– هل واجهتِ صعوبات لكونكِ امرأة في مجال الأدب؟
لا، على الإطلاق. رغم أنني أعيش في مجتمع ريفي، إلا أن كل من يعلم أنني كاتبة يدعمني ويشجعني.
– برأيكِ، ما هو الجزء الأصعب في رحلة الكاتب: البداية، النشر، أم التقبّل؟
البداية هي الأصعب بلا منازع. إيجاد فكرة جيدة يمكن أن تُبنى عليها قصة هو أمر شديد الصعوبة. أُشبّه هذه المرحلة بالتنقيب عن الذهب في التراب، فالكاتب يُنقّب عن الفكرة، ثم يُبدع الشخصيات ويمنحها حياة كاملة، وهنا تبرز الموهبة الحقيقية.
– كيف تستقبلين النقد؟
أتقبله بكل أنواعه دون غضب أو ضيق. أفرح بالنقد الإيجابي، أما النقد السلبي فإن كان يحتوي على توجيه أو تنبيه لأخطاء، فأهتم به كثيرًا.
– هل صادفتِ موقفًا معينًا من قارئ أثّر بكِ؟
نعم، قارئة حزنت كثيرًا على وفاة أحد أبطال روايتي الأخيرة، وكنت أعلم أنها ستتأثر، فكتبت لها قصة قصيرة ذات طابع كوميدي كنوع من المصالحة. وبالفعل، أُعجبت بها كثيرًا وأرسلت لي رسالة شكر مؤثرة.
– ما هو أغرب تعليق أو سؤال تلقيتِه من قارئ؟
سألتني إحدى القارئات إن كنت من الأقصر أو عشت فيها فترة، ففوجئت عندما أخبرتها أنني لم أزرها يومًا. اندهشت كثيرًا لأني في رواية “دموع الياسمين” تحدثت بالتفصيل عن عادات وتقاليد واحتفالات وأطعمة وحتى الموالد والآثار في الأقصر وكأنني من أهل المدينة.
– ما رأيكِ في مستوى الكتابات المنتشرة حاليًا على وسائل التواصل؟
هناك بعض الكُتّاب والكاتبات يمتلكون مستوى عاليًا وأفكارًا واعدة تُبشّر بمستقبل مشرق. في المقابل، هناك من يكتب قصصًا ساذجة بصورة ضعيفة جدًا، لكن في النهاية القارئ هو من يختار، والكاتب الجيد هو من يستمر ويُثبت نفسه.
– هل ترين أن النشر الإلكتروني يُهدد الكتاب الورقي أم يُكمله؟
النشر الإلكتروني أكثر انتشارًا وأسهل من الورقي، لكنه لا يُلغي سحر الكتاب الورقي، الذي يمنحك متعة لا توصف حين تمتلك رواية ملموسة تُضيفها إلى مكتبتك الخاصة.
– هل ترين أن القارئ العربي أصبح أكثر وعيًا وتطلبًا؟
للأسف، أرى أن القارئ في الماضي، قبل ظهور التكنولوجيا الحديثة كالهواتف والإنترنت، كان أكثر وعيًا واهتمامًا بالقراءة، حتى أنها كانت جزءًا من حياته اليومية. أما الآن، فقد أصبحت اهتمامات القرّاء، وخصوصًا الشباب، تتجه نحو أمور أخرى.
– هل هناك نوع أدبي ترغبين في تجربته ولم تكتبيه بعد؟
نعم، أرغب في كتابة روايات أكشن أو قصص جريمة وتحقيقات، تلك التي تضع القارئ في حالة من الحيرة طوال الأحداث، حتى يُفاجأ في النهاية بأن المجرم هو آخر شخص كان يتوقعه.
– ما هو حلمكِ الأكبر ككاتبة؟
أحلم أن أكتب ملحمة شعبية تشبه رواية “شيء من الخوف” للكاتب ثروت أباظة. كما أحلم بكتابة قصة مستوحاة من مسرحية “الست هدى” للشاعر الكبير أحمد شوقي.
– هل هناك مشاريع جديدة يمكن أن ننتظرها قريبًا؟
لقد أنهيت مؤخرًا كتابة رواية بعنوان “فنجان قهوة”، وأعمل حاليًا على رواية جديدة تحمل اسم “صالحة أخت منصور”، وهي قصة إنسانية جميلة تبرز علاقة أخوة رائعة بين شقيقين يتيمي الأبوين.
– من هو كاتبكِ المفضل؟
أعشق كتابات إحسان عبد القدوس. ومن الكتّاب الذين قرأت لهم على “فيسبوك”، أحب تميمة نبيل.
– هل هناك رواية غيّرت شيئًا فيكِ؟
ربما تستغربين، لكن رواية “ألف ليلة وليلة” أثّرت فيّ كثيرًا. درستها في الجامعة وقرأتها كاملة، ولفترة أحببت أن أكتب قصة مستمدة من روحها، فكتبت رواية “أم النساك”، رغم أن قصتي لا تربطها علاقة مباشرة بـ “ألف ليلة وليلة”.
– هل تكتبين على الورق أم باستخدام الأجهزة؟
أكتب على الهاتف، و اطبع كلمة بكلمة على لوحة المفاتيح. لا أحب استخدام خاصية الإملاء الصوتي، لذلك يأخذ كل جزء مني وقتًا طويلًا في الكتابة.
– ما هي أكثر جملة كتبتيها وتحبينها كثيرًا؟
في نهاية رواية “أم النساك”، كتبت البطلة تقول:
“ما عرفنا الجوع إلا عندما أغرونا بطعامهم، ولا عرفنا المرض إلا عندما أذلونا بدوائهم، ولا عرفنا الخوف إلا عندما رفعوا علينا سلاحهم، وما أدركتُ كمالنا إلا عندما رأيت نقصهم، فأحرِق كل ما أتونا به، فلا نحتاج إليهم.”
- وفي ختام هذا الحوار، نوجّه الشكر للكاتبة “حياة محمد” على وقتها وكلماتها الملهمة، متمنّين لها دوام النجاح والإبداع في أعمالها القادمة، ومزيدًا من التألق في سماء الأدب العربي.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب