مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

فكر التطرف، و فكر التصوف.

كتب: محمد صالح.

 

     عندما تقرأ عن الفكر، تري أبعادًا لرأي أو مساحات لنظرة ثاقبة أو ملامح لإبداء حلول أو إجتهاد نحو تحقيق مآلات محددة، في ماعون معين، وفي النهاية هي التدابير الذهنية التي تضع فروضًا تساهم بها أجزاء مختلفة وتشترك كالحس والشعور والإدراك والخيال واليقظة بأحوال الزمان والمعرفة والجانب العلمي والخبرات،كل هذه تتدافع لتنتج ما يسمي بالفكر. 

   ” الرحابة الفكرية” وهو مصطلح وضعته وأعني به مرونة تلك المكونات وإستيعابها لكافة المدخلات في وقت ما، والدخول في المزج فيما بينها وبين المدخلات الأخري، وصبغها بمتلازمات مثل الأحلام والتصورات ويشارك في ذلك الإبداع كمكون فطري والحضور والإلهام والوعي والتأمل ليشكل مخرجات تضع التناسب في إعتبارها وتعلن ميلاد أفكار متعددة ومختلفة تثري “باحة الفكر” وهذه وضعتها وأعني بها الماعون الذي يستقبل المخرجات ويعمل علي فرزها وفق الإهتمام والعلاقات ومنهج الفكر، كل ذلك يدور في هالة تسمي “طاقة الفكر” وهي القوام الذي يسند كل التفاعلات. 

    فكر التطرف هو نوع من الفكر يلازم مدخلات لها علاقة بالعصبية والزهنية المذهبية الجامدة، وهي تراتيبية تميل إلى حالة مزاجية أكثر منها حالة منطقية، وهذا يغذيه العاطفة، وفكر التطرف هو التمسك بمبدأ متوارث قديم أو فكرة بالية وإحياءها وتقديمها والتمترس حولها، وضعف المرونة في إبداء أي نقد تجاهها وبالتالي يمثل هذا نوع من الحفاظ عليها، ما يجعلها هدفًا ثابتًا وهذا يدفع إلى التفكير في حمايتها، ما ينشئ القتل والإستلاب وغيره، وهو فكر يستغل من جانب من يتبناه حيث يحاول بعض رواده تشكيل بؤرة فيها العديد من إتجاهات فكر التطرف والتي تملي عليهم أبعادًا فيها نوع من التشدد. 

     مخرجات فكر التطرف هي منتجات جامدة لا تقبل التحريف والتوظيف وإنما فقط التمكين والتوصيف، وهذا يجعل أصحابها مساحاتهم الفكرية ضيقة، ما يجعلهم يسلكون مسالك فيها نوع التمركز والترهيب للدفاع عما يؤمنون به.

    فكر التطرف يهتم بالقشور دائمًا فهو لا يجتهد كثيرًا، ولا يعاني في سبيل الوصول للتعامل مع أشياء مستجدة، ويحاول كسر أعناق النصوص ليسقطها علي ما يجري، ويكمل ما تبقي بسلوكيات البطش والتنكيل والضرب بقوة بدافع الحماية والرهبة، ويستخدم ما نزل من أوامر ضد المعتدين وغير المسلمين ليستخدمها ضد المسلمين أنفسهم، أو أي شرعة أخري، وبالتالي يعتبر أن منهجه هو الدين نفسه، وأن ما سواه هم أهل الفسق والنفاق، وهذا ما يؤدي إلى مظاهر الغلو من قتل وإباحة للدماء وهتك للأعراض، وهذا فكر هدام. 

    فكر التصوف هو مرتع خصب فيه نوع من “الميوعة الفكرية” وأعني بها توسيع دائرة الفكر بطريقة تبعث علي التراخي الشديد وإستخدام القوة الناعمة في طرح الأفكار والمنهج، وهذا غالباً ما يشوبه شوائب فهو غير محكم. 

    فكر التصوف يعتمد في بنيانه الفيضة وهي نوع من التواصل الإلهي كما يزعم والذي يختص به أولوياءه المقربين، وهذا ما يجعل الإجتهاد في السباحة والسياحة في الذكر نوع من التوهان الرهيب الذي يقدس التأمل والعيش في حضور مع الله وإتيان القلوب للمحبة والإشراق الذي يتبلج النور من خلالها لتفيض بركة تغمر الإنسان والمكان، ففكر التصوف مرحلة تتناقض وفكر التطرف فهي مرنة لأقصى حد وتتعامل مع الموجودات بنوع من المنطق الذي يقول أن كل كائن حيوان أو جماد فهو يسبح بحمد الله ويسجد له، وفي توسيع دائرة الفكر هذه تتضمن أن السوح في مساحات الوجودية المبهرة يمكن أن ينحو بنا نحو مسالك غريبة للعالمين وتنتج مظاهر ماجنة أحيانًا وهذا يتضمن كل الفطرة، ولا يستغرب هذا الفكر التعدد في المناهج ويتقبل المستجدات ويتكيف معها. 

    ففكر التطرف يقف علي مبادئ المنهج فقط ويعظم فيه قشوره ويدافع عنها بصلف، وفكر التصوف يدعم المرونة حتي تكاد تراه ساقطاً ويستقوي بالنور والفيوض الإلهية من الكرامات والولاية، وفي كلاهما نفتقد منهج الوسطية الذي يقوي الإتزان بين العلاقات ويحارب الغلو ويقلل من تعظيم المخلوق إلى تعظيم ربه، ويجعل الناس يعيشون بطريقة تمكنهم من آداء الأمانة والإعمار وفي ذات الوقت لا ينسون نصيبهم من الدنيا.